تشكل قيادة السيارة من غرداية إلى وهران المدينة الثانية في الجزائر، بالنسبة للزائر، منظرا خلابا، لكنها تجسد بالنسبة لكثير من الجزائريين البالغ عددهم 38 مليون نسمة غياب التنمية الباعث على الحزن.
وتحتل الجزائر المرتبة الـ 13 ضمن الدول التي تتمتع بأكبر احتياطيات من العملات الأجنبية في العالم، ولديها موارد طبيعية هائلة، وجيل شاب متعلم بشكل جيد. لكن المزاج الطاغي يبعث على الإحباط.
وتنفق الحكومة 286 مليار دولار على مدى خمس سنوات لبناء المدارس والطرق والمستشفيات الجديدة، في محاولة لإيجاد فرص عمل من خلال تنويع الاقتصاد. لكن الجهود تتعثر. وقد يكون معدل البطالة الآن قد وصل إلى نسبة 40%. والرد المألوف من الشباب بشأن خططهم المستقبلية هو "أريد أن أغادر".
وفي جميع أنحاء البلاد، يشكو الجزائريون من الفساد، لكن وجهة نظرهم حول تلك القضايا لا تحدث فرقا كبيرا. فالبلاد محكومة من قبل "السلطة"، وهي جماعة من صناع القرار قاتلوا من أجل الاستقلال عن فرنسا في عام 1962.
وفيما كان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة البالغ من العمر 76 عاما يتلقى العلاج في فرنسا بعد اصابته بجلطة خلال الفترة من أبريل إلى يوليو، اعتقد عدد متزايد من الجزائريين انه في طريقه للخروج من المسرح السياسي. لكنه ما أن عاد، حتى عمل على إعادة تشكيل الحكومة، ونقل بعض السلطات من دائرة الأمن إلى الجيش الذي عين رئيس أركانه اللواء احمد قايد صالح وزيرا للدفاع.
وعلى الرغم من الصحوة السياسية في العالم العربي، فإن الجزائريين يشعرون بالقلق إزاء المطالبة بالتغيير بشكل صاخب. والحكومة، من جانبها، سعت إلى التركيز على زيادة مدفوعات الرعاية الاجتماعية ورواتب الدولة أكثر من قمع المعارضين.
والاحاديث مع الشباب الجزائري عابقة بالإشارات إلى "العقد الأسود" من التسعينات، ويستشهد الجزائريون أيضا بالحرب الأهلية الحالية في سوريا. وعلاوة على ذلك، فإن العديد، وربما معظم الجزائريين، ممتنون لبوتفليقة لإعادته الهدوء إلى الجزائر بعد العقد الأسود. فقد توقفت الانتهاكات على يد قوات الأمن مثل التعذيب، وأصبحت وسائل الأعلام حرة، واتسع المجال أما العمل السياسي قليلا.
لكن المعارضة ضعيفة جدا أضعف من أن تحدث الكثير من الفرق. فرجال الجيش والأمن الذين مارسوا سلطتهم منذ التسعينات عملوا على الـتأكد من وجود الكثير من الأحزاب لعدم تشكيل جبهة معارضة متماسكة. والإسلاميون، الذين ابلوا بلاء حسنا في أماكن أخرى من المنطقة، ليسوا مصدر ثقة على نطاق واسع. والحكومات الأجنبية لديها شهية قليلة للضغط على الجزائر لإجراء إصلاحات، وفضلت التعاون مع حكامها لمعالجة المتشددين على اطراف الصحراء.
ويبدو أن معظم الجزائريين مستعدون للانتظار بصبر إلى حين مرور الجيل الموغل في السن. ويفترضون أن جماعة جديدة سوف تتولى مقاليد السلطة في نهاية المطاف وتخفف القيود على السياسة والاقتصاد، وتجلب معها نظاما تعدديا حقيقيا بدرجة أكبر. ومن جهة أخرى، قد يعتمد الانتقال السلمي على بقاء أسعار النفط مرتفعة، للاستمرار في رشوة الناس فيما السياسة والاقتصاد في حالة ركود. لكن رئيس الوزراء السابق أحمد بن بيتور يرى أن: "الناس والسلطة يؤجلون التغيير بسبب المخاطر، وهم لا يدركون أن الأمور سوف تكون أكثر صعوبة لاحقا".
غياب التغيير
يبدو أن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة سيترشح لفترة ولاية أخرى مدتها خمس سنوات في أبريل المقبل، لتضاف إلى الـ 15 سنة التي قضاها على رأس السلطة. وقد يعين نائب رئيس بسلطات واسعة لتولي مكانه في حال لم يكن قادرا على إنهاء ولايته كلها، ربما الجنرال صلاح أو رئيس الوزراء عبد المالك سلال. يقول المحلل البارز رشيد تلمساني: " ننتظر حتى يأخذ الحكام قراراتهم وراء الأبواب المغلقة ويقدموها لنا، والشيء الواضح انه ليست هناك أي علامة على أي تغيير سياسي".
