قبل أن تحقق كلمة «العولمة» رواجاً في السبعينات بفترة طويلة، كانت الكلمة الطنانة في الهند هي «هجرة الأدمغة».

ومنذ ستينات القرن الماضي، بدأ كثير من المتعلمين في المؤسسات العامة المدعومة من الدولة في مغادرة البلاد، في سبيل تعميق مهاراتهم في دول العالم المتقدم. ويعتقد الساعون للهجرة أن المناطق الأخرى أفضل من مناطقهم، وكثير منهم أصبحوا مصرفيين بارزين ورواد أعمال ومبتكرين وباحثين في الخارج، وبدا من غير المحتمل أن يعودوا إلى اقتصاد بطيء النمو. لكن في التسعينات، مع انتشار الأخبار عن طفرة اقتصادية جديدة في الهند، فإن بعضاً من أولئك الذين رحلوا منذ أمد طويل بدؤوا في الهجرة المعاكسة.

تعود الإنجازات، كما الأوهام، بشأن «صعود» الهند في العقدين الماضيين، للعائدين الهنود من الشتات، والذين جلبوا معهم طاقة جديدة، ورأس مال، ومعلومات، وشبكات وأفكاراً، إلى وطنهم الأم.

خيبة أمل

لكن خيبة الأمل بواقع الاختلال السياسي في الهند، والفساد المتأصل، وعدم الكفاءة، جعل عدداً كبيراً منهم يرغب في العودة إلى بيئة اقتصادية منخفضة النمو نسبياً لكنها أكثر أماناً. فأكبر الشركات المستفيدة من تحرير الاقتصاد في الهند، تشمل أسماء مثل «تاتا» «ماهيندرا» و«بيرلا»، وهي توظف الجزء الأكبر من استثماراتها في الخارج، ومع اتجاه مزيد من الطلبة الهنود إلى الخارج.

اللحاق بمناخات أكثر ملاءمة يبدو جلياً أيضاً بين الطبقات صاحبة الامتيازات في الصين. وكان النمو الاقتصادي السريع الذي شهدته الصين قد أطلقه الشتات الوطني واسع النطاق، بدءاً من أواخر السبعينات وحتى الثمانينات. لكن «الصين الجديدة» التي عمل هؤلاء على تعزيزها باتت الآن مكاناً يأمل العديد من سكانه الأثرياء الرحيل عنه، بسبب التحديات البيئية وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. وقد أظهر تقرير صادر عن مكتب باين وشركاه، أخيراً، أن ما يصل إلى 60% من الصينيين الذين شملهم الاستطلاع ويمتلك كل واحد منهم 1.5 مليون دولار على الأقل، أرادوا الهجرة، وثلثهم أصلاً لديه استثمارات في الخارج.

والصينيون الساعون لشراء منازل أخرى، وإلى إقامات في الخارج، وجوازات سفر أجنبية، كانوا يسهمون في رفع أسعار العقارات من هونغ كونغ إلى لندن. وتقدر غرفة التجارة والصناعة في الهند أن الطلبة الهنود الذين يدرسون في الخارج يكلفون الهند ما يصل إلى 17 مليار دولار سنوياً من العائدات المفقودة. من جهة أخرى، فإن نسبة 37% فقط من الصينيين الذين تلقوا تعليمهم في الخارج عادوا إلى الصين، في السنوات الـ30 الماضية.

وهناك، بطبيعة الحال، بعض المزايا الواضحة جداً للهجرة، أبرزها تحويلات المهاجرين إلى العالم النامي التي تصل إلى أكثر من 400 مليار دولار. ويمكن للمرء أن يجادل أن الهنود النافذين في وادي السيليكون أنقذوا صناعة الرأس مال المغامر المحلي في الهند من الأنظمة الخانقة للبلاد.

لكن بماذا ينذر هذا الاندفاع لخروج النخب المثقفة من البلاد بالنسبة للهند والصين، وهما أكبر دولتين قوميتين في آسيا، والذي كان متوقعاً على نطاق واسع أن يؤدي إلى انتقال القوة من الغرب إلى الشرق؟ فالأزمة تتجمع وستؤثر في كل من يستثمر في الاستقرار السياسي والاقتصادي في آسيا.

 

الأزمة المقبلة

يشعر رجال الأعمال الصينيون بالقلق من التداعيات طويلة الأمد لحالة عدم اليقين والاقتصادي والاجتماعي السياسي على النخب الصينية، وما يترتب عليها من هروب إلى أمن المجتمعات الأخرى. وبإمكان هؤلاء اللحاق بزبائنهم إلى سنغافورة وهونغ كونغ ودبي. لكن هذا أبعد من أن يشكل حلاً لأزمة الدولة القومية في الهند والصين، أقله على مستوى المواطنة والحقوق والرفاهية والكرامة، وهذه الأزمة تتجمع وستؤثر في كل من يسهم في الاستقرار السياسي والاقتصادي في آسيا.