اختطفت القوات الخاصة الأميركية في 5 أكتوبر الماضي "أبو أنس الليبي"، الناشط في تنظيم القاعدة الذي يعيش في ليبيا. وبعد ذلك بخمسة أيام، خطفت مجموعة من الميليشيات الليبية رئيس الوزراء الليبي، علي زيدان. وبعد ذلك بخمس ساعات، وفي وجه معارضة من الشرطة أو الجيش، أطلقت سراحه.

وخاطفو رئيس الوزراء لم يطالبوا بمبالغ مالية، أو يطالبون علناً بأي تغييرات في سياسة الحكومة الحالية. ولم يصب أحد بأذى، الأمر الذي منح القضية برمتها جواً من الإثارة بهدف الدعاية على نطاق واسع.

وقد صورت عملية الخطف على أنها أشبه بانقلاب، لكن الانقلابات في العادة تهدف إلى إسقاط حكومة وإحلال أخرى محلها. غير أن الأوضاع تختلف في ليبيا، حيث إن أياً من الفصائل المسلحة المتنافسة في البلاد ليست قادرة على الحكم بمفردها. فكل منها يرغب في حماية امتيازاته الخاصة، وفي الوقت نفسه منع معارضيه من تولي الحكم. وليبيا حقاً لا يحكمها أحد ومحكومة من الجميع.

قوة الميليشيات

في الأيام الأولى من الانتفاضة ضد الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي، حاول كبار قادة المتمردين تشكيل نواة جيش وطني، لكن مختلف المجموعات "المدنية" (الإسلامية) رفضت الخضوع لسلسلة القيادة التي تم اقتراحها. وفي يوليو 2011، قتل رئيس أركان جيش التحرير الوطني الليبي اللواء عبدالفتاح يونس.

ومنذ ذلك الحين، انتشرت ميليشيات بأعداد كبيرة، فقزمت الجيش الوطني وقوات الشرطة مجتمعين. وحاولت الحكومة استمالة بعض كتائب تلك الميليشيات بالرواتب العالية والألقاب الطنانة، لكن معظمهم لا زال موالياً لقادته فقط.

وعلى هذا الأساس، تفتقر الحكومة الليبية إلى 100 مسلح على استعداد للمخاطرة بأنفسهم للدفاع عن مفهوم الدولة المجرد، في حين أن الميليشيات، في المقابل، بإمكانها الاعتماد على ألوف المسلحين.

وفي غرب ليبيا، فإن القوى المناهضة بشدة للحكومة تمثل تحالفا فضفاضا من المتشددين وبعض الميليشيات القوية من مدينة مصراتة. ويوازيهم في القوة، في المقابل، ميليشيات غير إسلامية من مدينة زنتان. أما في الشرق، فالميليشيات "الفيدرالية" تطالب بالحصول على العدالة، وهذا يعني المزيد من السلطة والمال لمنطقتهم.

ونتيجة لهذا الصراع متعدد الأقطاب، أصبحت البلاد غير قابلة للحكم تقريبا. وكل مجموعة لديها أنصارها في البرلمان: وقد عمل "شهداء ليبيا" وتكتل "الإخوان المسلمون" على تعزيز نفوذ "غرفة عمليات اللجان الثورية"، المجموعة التي خطفت زيدان. وأصبح نوري أبوسهمين الرئيس الليبي في يونيو الماضي.

ولقد عزز سلطته بسرعة كثقل موازن لرئيس الوزراء الليبي علي زيدان، عن طريق منح غرفة عمليات اللجان الثورية مبلغ 700 مليون دولار أميركي. ومختلف الأطراف المعارضة لزيدان سعت منذ أمد طويل لإجباره على ترك منصبه.

وعلى الرغم من تراجع شعبيته وفعاليته، فشلت في الإطاحة به عبر تصويت سري لحجب الثقة في مطلع أكتوبر. ولقد اجتاز زيدان التصويت ليس لأنه يتمتع بدعم واسع النطاق، بل لأنه لا مجال للاتفاق على من ينبغي أن يتولى المنصب مكانه.

والغارة الأميركية أشعلت الغضب داخل قطاعات معينة من السكان. وحاول خصوم زيدان الاستفادة من هذا، من خلال تسليط الضوء على التواطؤ المزعوم لرئيس الوزراء مع واشنطن. وبعد خطفهم رئيس الوزراء، فإن الخاطفين أعلنوا انهم كانوا يدافعون عن شرف ليبيا وسيادتها، وليس مصالحهم الضيقة.

الرمزية السياسية

 

وكان استخدامهم للرمزية السياسية ماهراً. وأفعالهم أفادت في الواقع بما يلي: "جاءت أميركا إلى ليبيا وانتهكت السيادة الليبية من خلال خطف (أبو أنس الليبي).

وفي المقابل، سوف نقوم بالرد من خلال خطف شخص يهتم لأمره الغرب". وقاموا باختطاف رئيس وزرائهم من فندق كورنيثيا في طرابلس، المكان الأكثر ارتباطاً في المخيلة الشعبية بالغربيين، وتعاملاتهم مع نظام معمر القذافي.

ومن خلال ربط زيدان بالغرب والنظام السابق، فإن الميليشيات الإسلامية نصبت نفسها بدهاء كمدافعة عن الثورة، لكن هذه الرمزية مبنية على الخرافات والغلو والكذب، وهي محاولة لصرف الانتباه عن سوء استخدام الميليشيات السافر للسلطة.

وينبغي أن تضع القيادة الليبية حداً لهذه الخرافات من خلال الدفاع عن نفسها في محكمة الرأي العام في النهاية.

وكان زيدان قد أشار خلال المؤتمر الصحافي الذي تلا الإفراج عنه، إلى أن المتظاهرين المسلحين كانوا يقتحمون مكتبه بشكل روتيني، مطالبين بالمال والوظائف، وعندما يتم رفض طلباتهم، كانوا يتجهون إلى وسائل الإعلام في محاولة لكسب تأييد الرأي العام بالزعم أنه يعمل على "تثبيت بلطجية القذافي في الحكومة".

إعادة توجيه

 

يرى الكاتب جيسون باك أن خروج رئيس الوزراء الليبي علي زيدان من الأزمة الراهنة سيعتمد على دهائه السياسي. قد تسقط حكومته بسبب إذلاله في العلن، أو قد يستطيع تدبير أموره على نحو أخرق. وفي كلتا الحالتين، يتعين على صانعي السياسات في الغرب السعي لتعزيز حكم القانون في ليبيا، وليس دعم زيدان أو أي سياسي آخر.

وعملية إلغاء جزء من المساعدات العسكرية لمصر يمكنها أن تمنح الرئيس الأميركي باراك أوباما فرصة جديدة لإعادة توجيه بعض من الأموال المستقطعة من مصر نحو بناء المؤسسات في ليبيا، من دون الحاجة إلى موافقة الكونغرس.

حتى الآن، كانت إدارة أوباما عاجزة بسبب العوائق التي وضعها الجمهوريون على ليبيا، والتي ركزت على تسجيل نقاط سياسية من خلال تحقيقات لا نهاية لها في الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي العام الماضي.