أصبح المشهد السياسي في روسيا، هذا الخريف، أكثر حيوية إلى حد بعيد. فقد نشأ سراب وهمي من التعددية ليحل محل رتابة الاستبداد الحاقد، ومرت البلاد بتغيير جذري لجيل من سكانها، وصعد إلى المنصة العامة شباب لم يسبق لهم أن عاشوا في الاتحاد السوفييتي، أو كانوا أطفالاً في ظله.

وفي كل أسبوع تقريباً، هناك اشتباكات بين روسيا ذات الطبيعتين. روسيا الكرملين بمبادئها الصارمة في أن تأمر الدولة الجميع، وروسيا الأخرى الفتية التي تسعى إلى إخضاع الدولة للناس واحتياجاتهم. وإلى هذين يمكن إضافة أنصار الشيوعية، وأتباع القومية الراديكالية القريبة من حدود الفاشية.

لكن هؤلاء جميعهم جهات لاعبة معروفة. وهناك وجه جديد آخر، يزداد وضوحاً، هو وجه روسيا الجديدة بتوقعاتها المتضاربة، شخصية وسيطة تصدق دعاية الكرملين في بعض الأحيان، وتنتفض ضدها في أحيان أخرى. ومستقبل البلاد معلق على الموقف الذي سيتبناه هذا الشخص المتذبذب.

تاريخياً، كان الصراع الرئيسي بين أيديولوجية الكرملين والأيديولوجية الليبرالية. وأفضل ما يمكن أن يرمز إلى هذا التصادم قضية "بوسي ريوت": الشابتان اللتان حكم عليهما بالأشغال الشاقة في معسكرات العمل، واللتان تواصلان الكفاح ضد جلاديهما.

وتؤدي النقاشات إلى تقسيم العائلات، وتتحول إلى حروب أهلية صغيرة. وعلى هذا الأساس كان الظهور القوي غير المتوقع لزعيم المعارضة إلكسي نافالني في انتخابات بلدية موسكو أخيرا. فقد صوت ما يقرب من ثلث العاصمة الروسية له. ويجري الآن شن حملة في موسكو لإطلاق سراح الناشطين من منظمة السلام الأخضر الدولية، الذين اعتقلوا لاحتجاجهم على عمليات حفر قبالة الشاطئ في القطب الشمالي.

البحث عن المستقبل

وروسيا توقفت عن أن تكون حصريا شيئا يدور حول بوتين، بل أصبحت الدولة التي تبحث عن مستقبلها.

والقوى المحاصرة وسط هذه الرياح الجديدة التي تهب تتجه إلى عدم الاتساق. في اجتماع الخبراء الغربيين حول روسيا في نادي فالداي في سبتمبر الماضي، غير الرئيس الروسي خطابه إلى حد ما، معلماً الحضور أنه لم يكن ضد تعدد الأصوات السياسية.

وهذا الانفتاح غير العادي يمكن تفسيره جزئياً بإحساس بوتين بالارتياح بعد تغلبه على الأميركيين في الموضوع السوري. والكرملين مقتنع بأن بوتين هو أفضل لاعب سياسي في روسيا: فهو يحصد اكبر عدد من الأصوات، وبالتالي انفتاحه يشبه استعراضاً للقوة. والسلطات لم تتخل عن تخويفها للناس من خلال مواصلة القضايا الجنائية ضد المتظاهرين المعتقلين في مايو الماضي.

فهل سيحرر جيل جديد البلاد من الوحشية والعبودية والخوف؟ هل سيمرر حكمه النهائي على الشمولية؟

سيحدد جيل الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 20 25 سنة ما إذا كانت روسيا ستظل موجودة ضمن حدودها الحالية، وما إذا كانت ستصبح جذابة لجيرانها، وما إذا كانت ستتبع مسار الإمبراطورية أو تتجه نحو القيم الأوروبية.

ومع ذلك، من المستحيل إيجاد سكان أكثر تشرذماً من سكان روسيا. فروسيا خسرت القيم التقليدية التي تصنع الشعوب، لكنها لم تجد شكل دولة حديثة بعد. وبالاعتماد فقط على نفسه، فإن الروسي المعاصر يبتكر وسائل البقاء الخاصة به، فيما هو يجول في الظلام، ويخضع لسموم دعاية التلفزيون الوطني.

ينظر البعض إلى الوراء، إلى وعي وطني قديم لا يحتاج إلى حرية أو مسؤولية، لكنه يحتفظ بعبادة السلطة لبوتين. وعندما ترتفع أصوات غاضبة من السجون، فاضحة كل أنواع الإهانات، فإن كثيرين بمن في ذلك بعض الذين يخدمون في الكنيسة الأرثوذكسية يأتون للدفاع عن السجون.

من السذاجة التفكير بأن روسيا بعد البقاء الطويل تحت حكم الستالينية كفت عن أن تكون سجناً.

وظاهرة انفصام الوعي استولت على الجماهير الروسية، لاسيما على الشباب. وهذه نراها على شبكة الإنترنت الروسية. فالشباب يحيطون أنفسهم بهالة من الشكوك العالمية، لكنهم في الوقت نفسه مقتنعون بشكوكهم على نحو يدعو للاستغراب. وهم لا يحبون أميركا، ومقتنعون بأنها تريد أن تستولي على السيادة الروسية. وفي الوقت نفسه، مستعدون للهجرة إليها في أية لحظة.

ومقتنعون أيضا بأن نافالني هو عميل سري للكرملين، لكن إذا قيل لهم إنه في هذه الحالة هم أيضا عملاء للكرملين، فإنهم يغضبون. وأوروبا بالنسبة لهم فاسدة ومنحلة، لكنهم يتوقون للحصول على الإقامة هناك، ولو في بلغاريا.

 

فكر متأرجح

في الصباح لا تروق للشباب الروسي السلطات، وعند الظهيرة لا تروق له المعارضة، ومن ثم تختلط الأمور عليه. وذهنه متأرجح مثل كرة كسارة المباني. ولا شك في أن وعيا محاصرا بين الشعب والأمة هو أفضل من موقف يحن إلى كل ما هو سوفييتي.

والوعي الجديد له عناصر من الفردية والطموح، تقترب من أساسيات الحضارة الأوروبية. لكن بالنسبة لأولئك الروس، فإن بلادهم لا زالت بعيدة أشواطا عن أن تصبح أوروبية. أين بالتالي الأوروبيون الروس؟ إنهم يعيشون في معظمهم في موسكو والمدن الكبرى الأخرى، وهم مرئيون لكنهم لا زالوا أقلية.

وللفوز بالانتخابات، يحتاجون إلى خداع الغالبية العظمى من الناخبين، مظهرين لهم أنهم قوميون متطرفون. ما هو البديل؟ هل طرح تمرد ليبرالي وتثبيت دكتاتورية ليبرالية هو البديل؟ هذا ليس واقعياً. بإمكان روسيا أن تستمر في الوجود كما هي، لكن إلى متى، لا أحد يعلم.