بينما كان قادة العالم مجتمعين في نيويورك، أخيراً، للحديث عن الاعتدال والسلام، حصدت الهجمات الإرهابية أرواحاً بريئة في كينيا، وباكستان، والعراق، وسوريا. والزعيم الإيراني والرئيس الأميركي كانا على حق في التشديد على الدبلوماسية لتجنب المزيد من إراقة الدماء، لكن العديد من القتلة في تلك الصراعات جهات فاعلة من غير الدول. فكيف يمكن وقف إلهامها، ومنع تبنيها للتوجه نحو القتل؟
تحقيقا لهذه الغاية، أعلن وزير الخارجية الأميركية جون كيري ونظيره التركي أحمد داود أوغلو، الرئيسان المشاركان في المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، عن إنشاء صندوق عالمي لدعم الأصوات التي هي في طليعة مكافحة التطرف الذي يتبنى العنف. والفكرة وراء "الصندوق العالمي من أجل إشراك المجتمع وقدرته على الصمود"، هي الجمع بين التمويل الخاص والعام لإنشاء مجموعات ذات مصداقية تعمل على تقويض رسالة تنظيم القاعدة.
تقويض الرسالة
ومثل هذا المسعى الذي طال انتظاره، يمكن أن يبدأ أخيرا. وسوف تتدفق الأموال، لكن ما هو نوع العمل الذي سيحدث فرقا في إلحاق الضرر بالقاعدة؟
أولا، استغل المتشددون الزيادة الكبيرة في أعداد الشباب بين السكان، وارتفاع معدلات البطالة، والإقبال على القنوات الفضائية التلفزيونية في الشرق الأوسط. ولا يوجد نقص في عدد الدعاة المتشددين الذين يحتالون على عقول الشباب من خلال التلفزيون، فيما يفتقر العديد من المعتدلين إلى المال لتأسيس قناة فضائية للوصول إلى الجماهير نفسها.
ثانيا، يحظى الدعاة المتشددون بشعبية لا تصدق في الجامعات من أوروبا إلى الشرق الأوسط وباكستان، ويشغلون شبكات من خلال الجمعيات الإسلامية والاتحادات الطلابية. وكتاباتهم متاحة بحرية في قاعات الصلاة، ويقدمون انفسهم بسهولة على أنهم خطباء الجمعة. وأولئك الذين يحاولون مواجهة رسالتهم في الجامعات ليست لديهم الأموال لتقديم المتحدثين المعتدلين.
ثالثا، عندما يتم القبض على الإرهابيين وسجنهم، فإنهم غالبا ما ينشرون رسالتهم بين سجناء آخرين بدءا من باكستان إلى أوروبا وصولا إلى الولايات المتحدة. والأئمة المتشددون أحرار في عقد تجمعات الصلاة، بينما الأصوات المعتدلة غالبا ما تكون صامتة. وهذا يمكن أن يتغير إذا توفرت الأموال والتسهيلات للائمة المعتدلين .
رابعا، بينما أصبحت الإنترنت مصدرا رئيسيا لانتشار التطرف، فإن رسالة القاعدة غالبا ما يتردد صداها أيضا وبشكل متساو على المواقع الإلكترونية العربية ضمن التيار الإعلامي السائد. ولقد أنشأت العديد من الحكومات وحدات عمل مخصصة لمواجهة رسالة القاعدة. وفي الواقع، لدى وزارة الخارجية الأميركية مشروع يتصدى للتأكيدات بشأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة, وهذه المشاريع تحتاج إلى تطوير على نطاق أوسع من ذلك بكثير، باستخدام المنظمات الخاصة التي ستتطلب الدعم المالي لهذه المشاريع.
فرق شاسع
خامسا، المسلمون في الغرب، في كثير من الأحيان، لديهم رؤية مثالية لحياة المسلم في الشرق. وعلى العكس، كثيرون في الشرق لديهم نظرة سلبية بل حتى مصابة بالذعر من الغرب. وهذا الصندوق من شأنه أن يحدث فرقا شاسعا إذا تمكن من رعاية زيارات متبادلة لقادة مسلمين من الشرق إلى الغرب، والعكس صحيح.
والمسلمون في الشرق الذين يزورون أوروبا والولايات المتحدة، ويتفاعلون مع المسؤولين الحكوميين، وطلبة الجامعات، والمؤسسات الإعلامية، يدركون أنه لا توجد مؤامرة كبيرة ضد الشرق المسلم.
ومن خلال ترتيب زيارات متبادلة، فان المسلمين الشباب يمكن أن يصبحوا اكثر تقبلا لرفض الرسالة الخاطئة القائلة إن إنشاء دولة إسلامية خالصة هو الحل الوحيد لمشكلات العالم. لم توجد مثل هذه الدولة في أي وقت، ولا يمكنها أن توجد، ولن توجد أبدا. والبرامج التي تناقش هذه الرسالة تتطلب تمويلا طويل الأمد.
سادسا، الأدبيات المهمة من العلماء المسلمين داخل التيار السائد في باكستان، مثل محمد طاهر القادري، وفي تركيا مثل فتح الله غولن، وأماكن أخرى التي تعلن أن الإرهابيين ليسوا مسلمين حقيقيين، لم تتم ترجمتها بعد، ونشرها على نطاق أوسع في العالم العربي والصومال ومالي وطبعا كينيا. وهذه الأصوات تستحق المزيد من الدعم والدعاية لتضخيم رسالتها.
خطة عالمية
المتطرفون في تنظيم القاعدة على استعداد لانتقاد غالبية المسلمين في العالم واتهامهم بالكفر، لكن قلة من علماء الدين المسلمين أقاموا الحجة الدينية ضد القاعدة،بالطريقة التي قام بها القادري في باكستان، وغولن في تركيا، أو الحبيب علي الجفري في اليمن. و»الصندوق العالمي من أجل إشراك المجتمع والقدرة على الصمود» هي مؤسسة طال انتظارها، لكنها لن تنجح إلا إذا واصلت الحكومتان التركية والأميركية تعزيز المجتمع المدني والشراكة بين القطاعين العام والخاص لوضع المال وراء الأفكار التي تحدث فرقا. وهذه المبادرة تتطلب أكثر من اتباع نهج العمل المعتاد.
فوزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره التركي أحمد أوغلو وزملاؤهما اثبتوا أنهم قادرون على اطلاق خطة عالمية طويلة الأمد بإمكانها فعلا أن تحدث فرقا على الأرض، وأن تضع رسالة تنظيم القاعدة على طريق التراجع.
