كان الصيف قائظا وكالحا عندما قتل الناس في شوارع إسطنبول، ومشاعر الكآبة تنتشر في الأجواء، مثقلة برذاذ الفلفل والغاز المسيل للدموع. ثم جاء الخريف فجلب أملا جديدا، حيث تم الإعلان في يوم 30 سبتمبر الماضي عن "حزمة إصلاحات ديمقراطية" طال انتظارها، أعطى اسمها الانطباع بأنها ستقدم شيئا ما لكل مجموعة دينية أو عرقية أو سياسية. وكالأطفال المتقدين حماسا، تجمع 76 مليون تركي حول الهدايا بأمل الحصول على شيء ما. أراد الكتاب والصحافيون حرية التعبير، ورغبت الأقلية العلوية بحقوق متساوية والاعتراف ببيوت العبادة لديها، والطلبة والاكاديميون أملوا بجامعات تزدهر فيها العلوم والأفكار الحرة، فضلا عن حرية التظاهرات السلمية.

أما بالنسبة للأكراد، فقد أرادوا خطوات جدية حالاً ذلك أنهم وظفوا الكثير من رصيدهم في العملية السلمية. وعبدالله أوجلان، رئيس حزب العمال الكردستاني المعتقل كان يتابع المؤتمر الصحافي من زنزانته. لكن عندما فتحت الهدايا في النهاية، أصيب عدد كبير من الأطفال في تركيا بخيبة أمل. وتبعت ذلك ضوضاء وجلبة في أعقاب اتهام المنتقدين بالجحود من قبل أولئك الذين يؤيدون ما قدمته الحكومة. ولما كان بعض الأتراك يفكر من هذا المنطلق في السياسة، يعد دليلا للحقيقة المؤسفة المتمثلة في أننا ما زلنا ننظر إلى الدولة كأب ونحن أولاده.

المزايا والسلبيات

وحزمة الإصلاحات الديمقراطية لها مزايا وسلبيات. فقد أعادت دير "مار كبرائيل" في ماردين والذي يعود تاريخه إلى 1700 عام إلى الطائفة المسيحية السريانية. وهذا القرار طال انتظاره حيث إن الدولة لم يكن لها الحق في مصادرته في المقام الأول. وفي الوقت نفسه، لم تأت على ذكر معهد دير الروم الأرثوذكس في جزيرة هيبيليادا. ولماذا أعيد الدير لطائفة السريان ولم يعاد للأرثوذكس معهدهم، فلا أحد يعلم. كما رفع الحظر التافه على الأحرف الكردية الثلاثة غير الموجودة في الأبجدية التركية. ولن تكون هناك مشكلة بعد الآن إذا ما أعطي الابن اسما يحوي أياً من تلك الأحرف. كما يمكن تعلم اللغة الكردية إذا ما اختار الطلبة ذلك.

وخطوة مهمة كانت رفع الحظر المفروض على ارتداء الحجاب من قبل الموظفات في الخدمة العامة. وعلى نحو مماثل، هناك دلائل تشير إلى تخفيض العتبة المفروضة على الترشح للانتخابات. وأنظمة جديدة سوف توضع على خطاب الكراهية، مشروطة بفئات دون غيرها. كما أن القسم الطلابي الذي يكرر كل يوم من قبل الطلبة ألغي، وهو ما زال يطبل في آذاننا: " أنا تركي، أنا أمين، أعمل بجد، أملاً في أن يكون وجودي هدية للأتراك"، بحيث لم نكن نشعر كأفراد بل كجزء من كتلة غير متمايزة. وهذه العقلية تتغير في تركيا. فنحن أفراد، والفضل يعود في هذا التحول الثقافي إلى المحتجين الشباب في ميدان تقسيم.

ومشكلة حزمة الإصلاحات الديمقراطية هي أنها لم تعد كافية، بعد الآن. فالمجتمع تغير، والشعب التركي يتغير أسرع مما يتغير السياسيون. وتلك الإصلاحات لا تشمل كل المجتمع. والعلويون، الذين لم يجر ذكرهم في خطاب رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، يشعرون بخيبة امل كبيرة، وهم على حق في ذلك. وتركيا اكثر استقطابا الآن من أي وقت مضى.

 

استقطاب شديد

 

تبدو تركيا أكثر استقطاباً هذه الأيام، من أي وقت مضى، والأشخاص الذين يعتقدون أنه ينبغي علينا أن نناقش السلبيات والإيجابية في «حزمة الإصلاحات الديمقراطية» في تركيا يجري تحييدهم على الهامش، وكل من الحكومة والمعارضة على حد سواء تسأل: «هل أنت واحد منا أم منهم؟» وأولئك الذين يرفضون تلك الازدواجية المصطنعة يصبحون بسرعة الأقلية الجديدة في تركيا، وليس مستغربا أنهم لن يحصلوا على شيء من أحد.