أدت المشاحنة الكلامية الأخيرة بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي فلاديمير بوتين حول النزعة الاستثنائية الأميركية إلى تجدد الجدل المستمر بشأن عقيدة أوباما. هل ينحرف الرئيس الأميركي نحو الانعزالية أم سيحمل باعتزاز راية النزعة الاستثنائية؟ لكن هناك أرضية واسعة مشتركة بين الموقفين، كما عبر عن ذلك بوضوح هانز مورغنثاو، مؤسس المدرسة "الواقعية" المهيمنة والمجردة من العاطفة في العلاقات الدولية.
وفي جميع أعماله، وصف مورغنثاو أميركا بأنها قوة فريدة من نوعها . ومفهوما "الاستثنائية" و"الانعزالية" المتنافسان يقبلان بهذا المذهب وتفسيراته المختلفة، لكنهما يختلفان في مجالات تطبيقه.
التمايز الغامض
ولقد دافع أوباما بقوة عن أحد المفهومين عندما طرح السؤال "ما الذي يجعل أميركا مختلفة؟" وأعلن أن "ما يجعلنا استثنائيين"، هو أننا ملتزمون بالعمل "بتواضع ولكن بتصميم" عندما نكتشف وجود انتهاكات في مكان ما. ثم أضاف: "كانت أميركا منذ ما يقرب من سبعة عقود مرساة للأمن العالمي"، وهو دور "كان يعني اكثر من صياغة الاتفاقات الدولية، بل كان يعني وضعها موضع التنفيذ". وفي المقابل، فإن المذهب المنافس الآخر، المتمثل بالانعزالية، يفيد أننا لم نعد قادرين على تحمل المضي قدما في المهمة النبيلة في السباق لإخماد الحرائق التي يشعلها الآخرون.
ويأخذ هذا المذهب على محمل الجد مذكرة تحذيرية وجهها منذ 20 عاما كاتب العمود الصحافي في صحيفة "نيويورك تايمز" توماس فريدمان قال فيها إن: "منح المثالية مكانة حصرية في سياستنا الخارجية" قد يؤدي بنا إلى إهمال مصالحنا في سياق تفانينا لتلبية احتياجات الأخرين. وبين هذين النقيضين، يحتدم النقاش حول السياسة الخارجية.
ويرفض بعض المعلقين الافتراضات المشتركة بينهما، ويستحضرون السجل التاريخي، حيث إنه: "في غضون ما يقرب من سبعة عقود" قادت الولايات المتحدة العالم نحو العدوان والتخريب، فأطاحت بالحكومات المنتخبة، وفرضت الدكتاتوريات وقوضت الاتفاقات الدولية.
ويقدم مورغنثاو لهذه المخلوقات الضالة جواباً. وبوصفه باحثاً جدياً، يعترف بان أميركا انتهكت باستمرار "غايتها السامية". لكنه يوضح أن طرح هذا الاعتراض هو ارتكاب "لخطأ الإلحاد"، ذلك أن الغاية السامية لأميركا تتمثل "بالحقيقة الواقعية"، فيما سجل التاريخ الفعلي هو "إساءة لهذه الحقيقة".
مذهب جديد
وباختصار، يجري فهم "الاستثنائية" و"النزعة الانعزالية" الأميركيتين عموما على انهما متغيرات تكتيكية لمذهب يجري تبنيه بالغريزة. ويعبر آخرون عن هذا المذهب بمزيد من الفجاجة. فسفيرة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان لدى الأمم المتحدة، جين كيركباتريك، ابتكرت طريقة جديدة للتصدي للانتقادات ضد جرائم الدولة الأميركية، حيث يمكن اتهام أولئك الذين لا يرغبون في رفض تلك الجرائم أو صرف النظر عنها باعتبارها مجرد "أخطاء" أو "سذاجة بريئة"، بالعمل "على المساواة على المستوى الأخلاقي" في زعمهم بأن الولايات المتحدة لا تختلف عن ألمانيا النازية أو الشيطان الحالي، كائناً من كان.
وتكمن آلية الحماية الذاتية في الرثاء على عواقب فشل أميركا في التحرك. وهذا الرثاء كان موضوع دراسة محتفى بها لسفيرة أميركا الجديدة لدى الأمم المتحدة سامانتا باور. تقول باور في الدراسة: "مشكلة من جهنم: أميركا في عصر الإبادة الجماعية"، حول جرائم الآخرين وعدم كفاية الرد عليها. وهي تكرس جملة واحدة ضمن حالات قليلة خلال العقود السبعة الماضية يمكن فعلاً تصنيفها كإبادة جماعية حقاً، وهي الغزو الإندونيسي لتيمور الشرقية في عام 1975.
وتقول باور إن الولايات المتحدة "صرفت النظر عما يجري هناك". لكن السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة الذي سبقها دانييل باتريك موينهان، يرى القضية بشكل مختلف. ففي كتابه بعنوان: "مكان خطير" يصف باعتزاز كبير كيف جعل الأمم المتحدة "غير مؤثرة بالكامل في إنهاء العدوان".
والصحافي ديفيد بروكس محق في الإصرار على انه ينبغي أن نتجاوز الأحداث الرهيبة أمام أعيننا، ونتأمل في المسارات الأعمق ودروسها. ومن بين تلك، فإنه لا توجد مهمة اكثر إلحاحاً من أن نحرر أنفسنا من المعتقدات التي تضع أحداث التاريخ الفعلية في طي النسيان.
جريمة عظمى
يتأمل الكاتب الصحافي في صحيفة "نيويورك تايمز" ديفيد بروكس، في انجرار سوريا إلى رعب "أشبه برواندا"، ويستنتج أن القضية الأعمق تكمن في العنف الشيعي السني الذي يمزق المنطقة إرباً. والعنف هو دليل بالنسبة للبعض على فشل "الاستراتيجية الأميركية الجديدة في إجراء الانسحاب بتأثير خفيف"، وخسارة ما يدعوه ضابط الخدمة الخارجية السابق غاري غرابو "التأثير المعتدل للقوات الأميركية".
لكن يذكر بروكس جيداً أن العنف السني الشيعي نجم من أسوأ جريمة اعتداء في الألفية الجديدة، وهي الغزو الأميركي للعراق. وأولئك الذين تثقلهم الذكريات قد يذكرون أن محاكمات نورمبرغ حكمت على المجرمين النازيين بالإعدام شنقاً لأن، وفقاً لحكم المحكمة، العدوان هو "جريمة دولية عظمى يميزها عن جرائم الحرب الأخرى أنها تجمع كل الشر الموجود في كل تلك الجرائم".
