وعدت الحكومة الإسلامية المنتخبة ديمقراطيا في تونس بالاستقالة سلميا، ولا يوجد خطر حدوث انقلاب عسكري في الأفق. وتونس لا زالت أمامها أشواط قبل الوصول إلى الاستقرار السياسي. لكن للمرة الثانية تظهر هذه الدولة التي بدأت الربيع العربي الكيفية التي ينبغي أن يتم بها ذلك في بقية المنطقة. وأشخاص منطقيون في مواجهة خلافات عميقة يفاوضون ويتقاسمون السلطة في طريقهم لتحقيق الهدف المنشود في الوصول إلى الديمقراطية الدستورية الشرعية.

وحركة النهضة التي شكلت الحكومة بعد الانتخابات الحرة في تونس عام 2011، لم توافق على التنحي مقابل لا شيء. وموافقتها على الاستقالة لصالح حكومة انتقالية من التكنوقراط، كانت مقابل حصولها على موافقة المعارضة على التصديق على مشروع الدستور الذي تمت صياغته بشق الأنفس.

واستنادا إلى السلطات التي تم اعتمادها بعد سقوط النظام السابق في يناير 2011، فان بإمكان الجمعية التأسيسية الموافقة على الدستور إذا صوت ثلثا أعضائها لصالحه. وهذه الهيكلية وضعت علاوة على عملية توافق الآراء، وهي القيمة السياسية الأكثر تقديرا في الثقافة السياسية في تونس. كما أنها وضعت "النهضة" في موقف صعب خلال عملية الصياغة، فالأغلبية الطفيفة للائتلاف في الجمعية لم تمنحها أي نفوذ تقريبا، لحاجتها إلى أصوات كثيرة من المعارضة للحصول على الثلثين.

وكان البديل الوحيد التوجه إلى الناس للموافقة على الدستور، لكن هذا كان من شأنه أن ينتهك أهداف الإجماع والتوافق في الآراء، و"النهضة" رفضت باستمرار التعامل مع هذا على أنه خيارها. وثقافة الإجماع وتوافق الآراء هي في العادة نقمة بالنسبة للأغلبية المنتخبة، ولكنها تحولت في تونس إلى نعمة. وبدلا من عدم الثقة في المعارضة ومحاولة فرض اقتراحاتها، كما حاولت جماعة الإخوان المسلمين في مصر، فإن الديمقراطيين الإسلاميين في تونس ساوموا منذ البداية.

 والرئيس المصري السابق محمد مرسي، الذي كان مقتنعا بان الدولة العميقة تريده خارج السلطة، فشل بالكامل في إدراج علمانيين مستقلين في حكومته، وانصب تركيزه على واقع أن اغلبيه الناس قد انتخبته، بحيث نسي أن إسقاط سلفه، الرئيس المصري الأسبق الدكتاتور حسني مبارك، لم يتطلب أغلبية الناس، بل مجرد توليفة من ملايين الأشخاص في الشوارع وجيش مضطرب.

وفي تونس، كانت الحكومة متفهمة جيدا لواقع عدم استقرار ولايتها. وعندما عارض العلمانيون تضمين الشريعة في الدستور، استشاطت "النهضة" غيظا، لكنها وافقت بعد ذلك. وعندما اغتيل سياسي علماني بارز في فبراير 2012، سعت "النهضة" إلى النأي بنفسها عن المتطرفين الذين قاموا بعملية الاغتيال. وفي الآونة الأخيرة، بعد اغتيال زعيم علماني آخر في يوليو، واجه الديمقراطيون الإسلاميون أكبر تحد أمامهم حتى الآن. فمع استشعار المعارضة بتحول المد، قررت أساسا منع الدستور.

و"النهضة" اتخذت قرارا استثنائيا في وضعها الدستور العلماني الذي كانت قد ساعدت في كتابة مسودته قبل مصلحة حزبها. وبالكاد يمكن تصور نقيض اكثر وضوحا من جماعة الإخوان المسلمين في مصر. حيث فرض محمد مرسي دستورا مصاغا على عجل ومتدينا للغاية ومرره عبر جمعية مهشمة، ليرى نفسه مخلوعا. وبالمساومة على مشروع الدستور وعرض استقالة الحكومة، فان الإسلاميين المعتدلين في تونس قاموا بدورهم. ويعود الأمر للعلمانيين الآن للقيام بالشيء نفسه، وعدم قمع "النهضة" عندما تسنح لهم الفرصة في النهاية.

 

أسباب النجاح

 

بطرحها الاستقالة، وضعت حركة النهضة التونسية نفسها ليس فقط على أرضية أخلاقية عالية، ولكن أيضا منعت أي تهديد للإطاحة بها بالقوة. و"النهضة" تراهن بكل شيء على أمل أن تصبح تونس أول ديمقراطية في العالم العربي تستحق هذه التسمية. إذا نجحت، فان السبب سيكون على وجه التحديد، المعايير التونسية للتوافق في الآراء، وإدراك "النهضة" لضرورة احترام ذلك.