من بين الأحداث التي هيمنت على عناوين الصحف أخيرا من مجمل الوقائع التي شهدتها الأمم المتحدة، ابتداء من خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتصويت مجلس الأمن بشأن سوريا، حتى أول زيارة للرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني، هناك حدث هام آخر وقع من دون إحداث ضجة إعلامية.
فقد وقع وزير الخارجية الأميركي جون كيري على معاهدة تنظيم تجارة الأسلحة. وهذه المعاهدة التاريخية تضع المعايير الدولية الموحدة الأولى التي تحكم التجارة الدولية في الأسلحة التقليدية، ومن شأنها أن تحدث فرقا حقيقيا في تقليص العواقب الوخيمة الناجمة عن التجارة العالمية غير المسؤولة بالأسلحة. وفيما يتركز اهتمام الأمم المتحدة على سوريا، تتضح الحاجة إلى المعاهدة، ودعم الولايات المتحدة لها.
وفي جميع أنحاء العالم، يساهم نقل الأسلحة غير المنظم وغير المسؤول في زيادة توافر الأسلحة الصغيرة والذخائر في مناطق صراع أخرى. ووفقا لتقرير نشرته منظمة أوكسفام عام 2012، تم استيراد اكثر من 2.2 مليار دولار من الأسلحة والذخائر من قبل بلدان خاضعة لحظر الأسلحة من قبل الأمم المتحدة أو اتفاقيات إقليمية أو متعددة الأطراف منذ عام 2000.
ونتيجة لذلك، فان مئات الألوف يقتلون كل سنة بأسلحة جرى بيعها إلى أنظمة عديمة الضمير وتم تحويلها إلى مجرمين وميليشيات غير شرعية. والخسائر البشرية الهائلة لهذه الدوامة من العنف تؤدي إلى تقويض التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي في بلدان هشة مثل الصومال والسودان ومالي وميانمار والكونغو وجمهورية إفريقيا الوسطى وكولومبيا، وغيرها.
والولايات المتحدة هي الآن واحدة ضمن اكثر من 100 دولة موقعة على المعاهدة. ولكي تكون الولايات المتحدة طرفا كاملا في المعاهدة، يجب أن تصادق عليها أغلبية ثلثي الأصوات في مجلس الشيوخ. لكن البيئة السياسية المتوترة في واشنطن تجعل التصديق السريع أمرا غير محتمل، لكنها باعتبارها من الدول الموقعة على المعاهدة، فان الولايات المتحدة مجبرة على الوفاء بأهداف وأغراض المعاهدة.
والولايات المتحدة مسؤولة عن حوالي 70% من التجارة الدولية في الأسلحة التقليدية، وتوقيع أميركا على المعاهدة يرسل إشارات قوية بان المسؤولية في تجارة الأسلحة لا تأتي بالضرورة على حساب الهيمنة في سوق السلاح العالمي. كما أن المعاهدة تحترم بالكامل الحقوق السيادية للدول في تنظيم ملكية السلاح على النحو الذي تراه مناسبا.
للمرة الأولى على الإطلاق، تحظر المعاهدة تصاريح نقل الأسلحة إلى البلدان إذا كان المصدر" لديه معرفة لحظة إعطاء التصريح بأن الأسلحة أو الأدوات سوف تستخدم في ارتكاب إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، وانتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف لعام 1949، والهجمات الموجهة ضد الأهداف المدنية أو حماية المدنيين على هذا النحو، أو غيرها من جرائم الحرب".
وتتطلب المعاهدة من مصدري الأسلحة تلبية معايير معينة قبل التصريح بنقل الأسلحة التقليدية أو تصدير الذخائر والأسلحة قطع غيار أو مكونات، وهذه المعايير تتطلب من البلدان المصدرة أخذ حقوق الإنسان في الاعتبار. والمعاهدة توفر أيضا منصة جديدة لمساعدة بلدان أخرى في تطوير نظام وطني لمراقبة الصادرات الدولية.
والتوقيع الأميركي على المعاهدة لديه أيضا أهمية سياسية، لأنه سيضع ضغوطا على البائعين والمشترين الأساسيين، بما في ذلك روسيا والصين والهند للتوقيع على المعاهدة. وهناك الآن زخم متزايد وراء المعاهدة التي تتطلب تصديق 50 بلدا لتدخل حيز التنفيذ. وهذا بدوره، سيؤدي إلى خطوات تطبيقها على المستوى الوطني.
