هل من الممكن أن يكون الرئيس الأميركي باراك أوباما، ربما عن غير قصد تماماً، قد ضل الطريق وصولاً إلى قيامه بإعادة تشكيل جذرية للسياسة الخارجية الأميركية؟
للمرة الأولى منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، أو حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، قد تكون كتلة مترابطة من بديهيات السياسة الخارجية الراسخة تتفكك بهدوء، ونعني بها النزعة الاستثنائية الأميركية، أو النزعة أحادية الجانب من جانب أميركا بوصفها شرطي العالم، المعلق الأخلاقي، المستبد، المهيمن العالمي ومهندس "النظام العالمي".
وأخيراً، كادت القنابل أن تسقط على سوريا، لكن الأمر معلق الآن. وبعد سنوات وعقود من الحديث حول احتمال توجيه ضربات جوية ضد إيران، فجأة نسمع روايات عن اتصالات ودية بين الرئيسين الأميركي والإيراني. وهذه قد تكون مجرد بدايات زائفة، لكن الآثار الأكبر المترتبة عليها ستنمو وتزدهر. ستبدأ مع الشرق الأوسط، لكنها لا تلبث أن تلامس العلاقات مع روسيا والصين وإسرائيل والأمم المتحدة، كمقبلات لفتح الشهية.
المحافظون والتقدميون
والمحافظون الجدد والصقور والليبراليون من مؤيدي التدخل مذعورون، أما التقدميون فقد أثلج هذا الأمر صدورهم، لكنهم ينتظرون حدوثه. لنشاهد تصوير وسائل الإعلام الأميركية لتلك التطورات. وهي لا تختلف عن العلاجات التقليدية غير الفعالة: ينبغي على الولايات المتحدة أن تضع خطوطاً حمراء، الخطوط ما أن ترسم حتى يفترض اتخاذ الإجراءات بناء عليها، مصداقية الولايات المتحدة على المحك، يجب رفع الاستعدادات العسكرية إلى استنفار دائم في الشرق الأوسط من أجل مواجهة تهديدات أمنية دائمة، الاحتكار الأميركي لصنع القرار لا بد من الحفاظ عليه بقوة في كل التحركات في العالم. ويقف الصقور إلى جانب مؤيدي التدخل الليبراليين، خشية أن يتخلى أوباما عن مخزون القدرات الأميركي من خلال أعمال من السذاجة الهائلة والضعف وانعدام الخبرة.
أما التقدميون فيتراءى لهم في تلك الأعمال نفسها الإشراقة الأولى للحكمة والعقلانية فيما هي تسلط الأضواء تدريجياً على عملية تشكيل السياسة الأميركية، ويلمحون إلى بيرويسترويكا تكون بمثابة استراتيجية إصلاحية يمكنها إنقاذ الولايات المتحدة من دوامة عقود من الكوارث في السياسية الخارجية التي عملت على تقويض البلاد بطرق شتى: رؤساء زمن الحرب، الارتداد العالمي عن سياسات أميركا، ميزانيات الدفاع الهائلة، الإعلان عن الإعداء بما يحقق الذات، عمليات التدخل، البارانويا الوطنية، بناء الدولة الأمنية، والتدخل المتفش في الحياة الشخصية للمواطنين.
ولننظر الآن في الارتباطات. أوباما على شفير حرب جديدة في سوريا، فجأة يتراجع. تتحطم أولى المحرمات، ومن الممكن التعامل مع روسيا من دون الخوف من كونها عدو أميركا الأول (كما عبر عن ذلك المرشح الجمهوري للرئاسة ميت رومني في إحدى المرات)، فجأة هناك ادراك أن روسيا يمكن أن تكون لاعباً مسؤولاً من تلقاء ذاتها، حيث تتداخل مصالحها مع مصالحنا في التوصل إلى حلول لمشكلات الشرق الأوسط، طالما نكف عن محاولة التسابق معها عند كل منعطف، والتهام حلفائها الإقليميين. الآن يبدو أن التعاون مع روسيا بإمكانه أن يقوي النفوذ الأميركي في التوصل لحل في سوريا. وطبعاً، روسيا قد يكون بإمكانها إنقاذنا من حرب مدمرة أخرى في منطقة مشتعلة.
النزعة الأحادية
بالتالي ربما النزعة الأحادية، المصدر الرئيسي لمتاعب الولايات المتحدة، تمر أيضاً بأوقات صعبة. الصقور يحزنون والتقدميون يسعدون. وربما ينبغي علينا أن نعمل مع قوى عظمى أخرى في العالم بدلاً من اللائحة المتناوبة من الطامحين الحزانى للإمبراطورية في أوروبا، الذين هم على استعداد للالتحاق بالمغامرات الأميركية. فنبدأ في التعرف على المخاوف والمصالح الشرعية للدول الأخرى، ضاربين بعرض الحائط بتلك القناعة التي تشكل مصدر ارتياح، وهي أن المصالح الأميركية هي "لخير العالم" مرحب بها في معظم العالم (باستثناء أولئك الذين يغازلون محور الشر).
بالتالي ربما يمكننا إعادة التواصل مع إيران، وهي دولة جرؤت على رؤية الشرق الأوسط خارج شروط اللعبة الأميركية. وهل تبعد كوبا كثيراً عن ذلك؟ ربما تفسير إسرائيلي لأحداث الشرق الأوسط كف عن أن يكون الطريقة المطلوبة في النظر إلى المنطقة. ربما سيكون هناك إجماع دولي أصيل حول فلسطين في المستقبل القريب، حيث تتنازل أميركا عن احتكارها لعقود على "عملية سلام" عقيمة وبلا أنياب. والمخاوف بشأن "المصداقية" الاستراتيجية لأميركا مع الصين قد تفسح المجال لحسابات متزنة من المصالح المشتركة. وقد يتبين في النهاية أن للأمم المتحدة فوائدها.
تقاسم العبء
ربما لا يمكننا إيجاد حل للمستنقع السوري. لكن العالم أيضاً لا يمكنه الاعتماد على التدخل الهوسي الأميركي حيثما تشعر بأن الأمور ليست على ما يرام (ونحن انتقائيون في تدخلنا). فلماذا لا يمكن تقاسم "العبء" الدولي مع آخرين لديهم على الأقل مخاوف تضاهي حجم المخاوف التي لدينا (سوريا، الوضع الأمني في أفغانستان، الحدود البحرية في آسيا)، ربما عندئذ لا نحتاج إلى جيش هائل بهذا القدر أو إلى المؤسسات الأمنية القوية التي تدعمه. وربما أيضاً يمكننا التعافي من الإدمان على كوننا "الأمة التي لا غنى عنها." فهل يمكن أن يكون الضعف والتذبذب المفترض لأوباما هو في الواقع لحظة "تحقق هذا الأمر"، وإشراقة الحكمة في النفق المظلم على مدى عقود من السياسة الكارثية منذ أن استولينا على الكأس المسمومة "القوة العظمى الوحيدة في العالم".
