يحلم المزيد والمزيد من الناس اليوم بعالم خال من الفقر. وفي هذا الإطار، حددت لجنة التنمية في البنك الدولي هدف القضاء على الفقر المدقع بحلول عام 2030. وخلص فريق العمل المعني بالأهداف العالمية في الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أن "القضاء على الفقر في غضون جيل هو هدف طموح لكنه ممكن التحقيق".

فهل تعد هذه أحلاماً ضالة فيما العالم ينطلق بسرعة فائقة نحو المزيد من الاضطراب والصراع، أم أن هناك شيئاً مهماً في الموجة الأخيرة من الاهتمام بهذه الفكرة على أعلى المستويات؟

تميل الدلائل لصالح المتفائلين، وهي تؤيد وجهة نظر أولئك الذين يفضلون المزيد من الأسواق الحرة، فضلا عن أولئك الذين يفضلون المزيد من الاستراتيجيات من القطاعين العام والخاص.

والصورة العالمية ستفاجئ المتشائمين. فاستنادا إلى البنك الدولي، تراجعت نسبة الأسر في البلدان النامية التي تعيش تحت خط الفقر المدقع ( المقاس بـ 1.25 دولار للفرد يوميا وفقا للأسعار العالمية) بشكل حاد من نسبة 52% في عام 1980 إلى 21% في عام 2010. وحتى إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، المنطقة التي يصعب معالجة الفقر فيها، شهدت انخفاضا ملموسا من نسبة 58% في عام 1999 إلى 49% في عام 2010. ووفقا لأحدث دراسة لمنظمة اليونيسيف، تراجع معدل الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة في إفريقيا من 177 حالة وفاة لكل ألف ولادة في عام 1990، إلى 98 لكل ألف في 2012.

وفيما المكاسب الأخيرة لا مجال للشك فيها، يبقى السؤال حول كيفية التأكد من أن التقدم في المداخيل والصحة والأبعاد الأخرى لإنهاء الفقر (بما في ذلك الحصول على التعليم، والمياه الصالحة للشرب والكهرباء والصرف الصحي) سوف تتواصل إلى أن يتم القضاء على الفقر المدقع.

الأساسيات

هذه هي الأساسيات: يعد النمو الاقتصادي، وبالتالي اقتصاد السوق، أمرا حيويا. وتراجع الفقر في إفريقيا يعود في جانب منه إلى زيادة معدل نموها سنويا من 2.3% خلال 1990-2000 إلى نسبة 5.7% خلال الفترة 2000 -2010. ومن دون النمو الاقتصادي، لا يمكن أن تكون هناك مكاسب مستدامة في مجال الدخل والصحة والمجالات الأخرى. واستمرار التقدم يعتمد على الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الرئيسية، التي تعتمد بدورها على التمويل الواسع النطاق من القطاع الخاص.

بالتالي المشاعر المناهضة للسوق ليست صديقة للحد من الفقر. لكن أصولية السوق الحرة ليست كذلك أيضا. ولا يمكن تحقيق النمو الاقتصادي والحد من الفقر من خلال السوق الحرة وحدها. فالسيطرة على الأمراض، والتعليم العام، وتشجيع العلوم والتكنولوجيا الجديدة، وحماية البيئة الطبيعية، هي وظائف عامة يجب أن تتماشى مع قوى السوق الخاصة.

لننظر في مفتاحين حدا من الفقر الذي شهدته إفريقيا أخيرا. الأول هو إدخال الهواتف المحمولة الذي أحدث ثورة في الاتصالات. ومن المتوقع أن تعمل الهواتف الذكية على تحويل التعليم والعناية الصحية والتمويل وسلاسل القيمة الزراعية. ولقد لعبت أيضا مكافحة الملاريا التي تحققت بفضل التكنولوجيات الجديدة دورا حيويا في الحد من الفقر في إفريقيا. وفي كلتا الحالتين، فان القطاع الخاص كان أساسيا، ليس فقط في مجال تطوير التكنولوجيات المتقدمة، لكن أيضا في تمكينها من الانتشار في وقت قصير. لكن القطاع العام يبقى مهما أيضا، حيث تقوم الأموال العامة بتمويل الاختراعات العلمية والتكنولوجية الحاسمة.

رأسمالية مختلطة

 

يمكن القول إن الكفاح من أجل القضاء على الفقر يساعد في تشكيل نوع جديد من الرأسمالية المختلطة. فالجدل القديم بشأن العام في مقابل الخاص حل مكانه الجدل حول استراتيجيات جديدة، تنطوي على كل من القطاعين العام والخاص. والحاجة إلى الاثنين سوف تصبح اكثر إلحاحا، فيما يشتد التغيير المناخي وندرة المياه.