يكمن وراء هذا الانتظام المثير للذهول للسيارات المفخخة في العراق ذاك الصوت الأكثر هدوءاً بكثير لبلاد تنهار ببطء. والأهداف هذه الأيام ليست كما هي العادة، الوزارات أو المنشآت الأمنية التي تشبه القلاع الحصينة، بل العراقيين العاديين.

فقد قتل أكثر من 4 آلاف مدني عراقي حتى الآن منذ بداية هذه السنة، وهذا يعد أكبر عدد من القتلى منذ خروج العراق من الحرب الأهلية، قبل خمس سنوات. والعديد من هذه الهجمات هي من أعمال تنظيم القاعدة، الذي أوضح أنه يعتزم تصعيد حرب أهلية في العراق.

يقول المتحدث باسم وزارة الداخلية العقيد سعد معن: "نحن في حرب مع تنظيم القاعدة". لكن مسؤولين حكوميين آخرين يشيرون بأصبع الاتهام إلى مجموعة أوسع من المشتبه بهم، مثل البعثيين السابقين والقوى الإقليمية، الذين يحاولون زعزعة استقرار الحكومة التي يقودها الشيعة في بغداد. والعراقيون نجوا مما هو أسوا من هذا التصعيد الأخير في الهجمات، حروب متعددة، احتلال والحرب الأهلية الوحشية الأخيرة. لكن أعمال العنف الأخيرة، مضافاً إليها أزمة سياسية دائمة على ما يبدو، وفساد مستشرٍ، تؤدي إلى نزيف البلاد لإمكانياتها الهائلة.

نزيف الهجرة

يقول عدي الربيعي البالغ من العمر 24 عاماً والذي يحلم بأن يكون أكثر من مجرد عامل في مكتب: "المجتمع العراقي ينهار"، مضيفاً إن العديد من أصدقائه يغادرون العراق. يقول: "هذه الخسارة الأكبر. لم يعد من الممكن أن نحلم بالازدهار بعد الآن".

وفي مطار بغداد الدولي، تجلس عائلات على مقاعد الفينيل، وسط المتعاقدين الأمنيين ورجال الأعمال، ممسكة بوثائق في أكياس بلاستيك عليها شعار "المنظمة الدولية للهجرة"، هذه المنظمة التي تواصل نقل العراقيين إلى اللجوء في الخارج، بعد عقد من الغزو الأميركي.

تقول الحكومة العراقية إن الأمن قد أضعف بسبب الصراع في سوريا، والحرب الأهلية المستعرة هناك أعطت دفعاً لتنظيم القاعدة، وسمحت له بإرسال مقاتلين أجانب وانتحاريين عبر الحدود التي يسهل اختراقها بأعداد لم تشهدها البلاد منذ أيام المتشددين في العراق.

وميزان القوى يتحول أيضاً في المنطقة الكردية من العراق، التي كانت الجزء الأكثر استقراراً في البلاد على مدى العقدين الماضيين. ومع رحيل الرئيس العراقي جلال طالباني عن المسرح السياسي، توجه الأكراد إلى صناديق الاقتراع في 21 سبتمبر في انتخابات إقليمية، وسط مشهد سياسي مختلف بشكل دراماتيكي.

ومن دون طالباني لرئاسة الاتحاد الوطني الكردستاني، فإن الحزب الذي أوجده قد يختفي عن الأنظار. والسياسة هناك ازدادت تعقيداً نتيجة للصراع على السيطرة في سوريا بين الفصائل الكردية ومقاتلي المعارضة السوريين. وقد قام مسعود برزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان في أغسطس الماضي بفتح الأبواب لأكثر من 40 ألف لاجئ كردي سوري، متعهداً حمايتهم.

والعراق لديه موارد مالية ضخمة تحت تصرفه من الناحية النظرية يمكنها أن تساعده في التغلب على تلك التحديات. ولكن على الرغم من أنه يصدر ما قيمته 250 مليون دولار من النفط كل يوم، فقد أثبتت بغداد أنها غير قادرة على شراء الاستقرار. يقول المحللون أن المشكلة تعود إلى أن تخصيص ميزانيتها السنوية البالغة 120 مليار دولار على أساس الاحتياجات السياسية، وليست الاقتصادية.

 

أسس واهية

اعتقدت الولايات المتحدة انه من خلال إرسال عشرات الألوف الإضافية من القوات إلى العراق في عام 2007 أنها تعمل على إرساء أرضية الاستقرار في البلاد. وبينما ساعد ذلك في دفع القاعدة خارج المدن بمساعدة القبائل التي انقلبت على التنظيم، إلا أن الأسس السياسية والاقتصادية لهذا الاستقرار أثبتت أنها أكثر قدرة على المراوغة.