في أغسطس الماضي، كان الأميركيون على بعد ساعات من توجيه ضربات صاروخية على سوريا، والتورط في حرب أهلية، مع احتمال انزلاق حزب الله وإيران وروسيا إلى المعركة.

وبحثاً عن وسيلة للخروج من هذا المربع الذي أدخل نفسه فيه، مع تهديده ووعيده بأن "الأسد يجب أن يرحل!" و"الخط الأحمر"، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أنه سيذهب إلى الكونغرس للحصول على تأييده قبل عمليات القصف.

معارضة الحرب

لكن هذا الأمر اشعل انتفاضة الطبقة الوسطى الأميركية ضد حرب أوباما. ثم أعلن وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن سوريا يمكنها تجنب ضربة السيف الرهيبة لباراك أوباما، وذلك من خلال تسليم جميع أسلحتها الكيماوية في غضون أسبوع فحسب.

وفيما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف يشاهدان الولايات المتحدة تميل نحو حرب لا ترغب بحدوثها روسيا، بقدر ما لا يرغب بذلك الكونغرس، تلقفا تصريح كيري وقالا: "دعونا نعمل سوياً للتخلص من الأسلحة الكيماوية لسوريا". وقد أمسك أوباما بسترة النجاة.

والقول إن "حزب الحرب" في أميركا غاضب جداً على أوباما، لتضييعه فرصة إدخال أميركا في الحرب ضد سوريا، التي كانت ستجرنا لاحقاً إلى حرب مع ايران، هو تبخيس للأمر. فأسوأ سيناريو مرعب للسلام في الذاكرة يجتاح مراكز البحوث في واشنطن الآن.

ومع الإقرار بعدم كفاءة كل من أوباما وكيري في كيفية إدخالنا في هذه الفوضى، يبقى السؤال: "ألسنا الآن في وضع أفضل بكثير مما كنا عليه قبل شهر مضى؟"

أولاً، الحرب على سوريا جرى تجنبها، ونحن لا نقتل السوريين.

ثانياً، اعترف الأسد بأن لديه أسلحة كيماوية، واظهر استعداده السماح للمفتشين بالدخول إلى سوريا وإزالتها.

ثالثاً، العلاقات الباردة بين أوباما وبوتين، التي تشبه العلاقات أيام الحرب الباردة، أتاحت المجال لتعاون في مجال تأريخ تلك الأسلحة الكيماوية وإزالتها.

حافز قوي

رابعاً، على الرغم من أن نزع الأسلحة قد يستغرق سنوات، إلا أن ذلك يمثل حافزاً قوياً لأميركا وروسيا للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، أو هدنة أو إنهاء لهذه الحرب الأهلية الطائفية التي حصدت أرواح أكثر من 100 ألف شخص حتى الآن.

خامساً، هناك ادراك متزايد في الولايات المتحدة بأن الأسد ليس العدو في سوريا، وإنما العدو هم مقاتلو تنظيم القاعدة وحلفاؤهم من جبهة النصرة، وأن انتصار المتمردين قد يعني إبادة الأقليات الطائفية.

سادساً، ظهر الرئيس الإيراني الجديد، حسن روحاني، على شاشات التلفزة الأميركية ليعلن أن إيران لا تقوم ببناء قنبلة نووية، ليس هذا فحسب، وإنما ليقول إنها لن تفعل ذلك أبداً. ولمح إلى استعداده لإثبات ذلك في مقابل رفع العقوبات وإعادة قبول إيران في المجتمع الدولي.

سابعاً، تأثير روحاني في الأمم المتحدة في نيويورك قد يؤدي لاحقاً إلى مفاوضات مباشرة بشأن برنامج إيران النووي مستقبلاً.

وتبقى هناك إمكانية دوماً لحدوث أمر ما يعيد الولايات المتحدة إلى ولعها بالحرب، كما في أغسطس الماضي. لكن هناك أسباباً تدعو إلى التفاؤل. وهذه الآمال لا تستند إلى نوع من الثقة الساذجة المتمثلة في حقيقة ما يقوله لنا خصومنا، إنما إلى ما تمليه مصالحهم الخاصة الباردة المشاعر.

بالنسبة لروسيا، فإنه من شأن أي هجوم أميركي على سوريا أن يؤدي إلى تورط أميركي أعمق بالتأكيد، والى سقوط الأسد، وفقدان موسكو لحليفها الرئيسي في العالم العربي ولقاعدتها العسكرية في اللاذقية، كما يؤدي إلى فقدان هيبتها بعد أن يجري إثبات عدم قدرتها على حماية حليفها السوري من الأميركيين.

وحرب أميركية على نظام الأسد قد تعني أيضاً انتصار المتشددين، واستيلاءهم على بعض الأسلحة الكيماوية للأسد، التي يمكن أن تظهر في القوقاز في أثناء دورة الألعاب الأولمبية في سوتشي.

وبالنسبة لسوريا، فإن الأسد يريد البقاء والخروج منتصراً من حربه الأهلية. وهذا يعني تفادي وقوع حرب مع الولايات المتحدة، والالتقاء مع الأميركيين في منتصف الطريق على الأقل.

باختصار، هناك مصلحة باردة لكل من الولايات المتحدة وروسيا وسوريا وحتى ايران في عدم اندلاع حرب أوسع نطاقاً في سوريا. وللأسف، تعتقد قوى نافذة في أنحاء الشرق الأوسط، وهنا في "ريفر سيتي"، أن لديها مصلحة حيوية في مثل تلك الحرب تحديداً.

 

رفض الحرب

هناك أسباب تدعو إلى التفاؤل بعدم عودة الولايات المتحدة إلى ولعها بالحرب في سوريا. وهذه لا تستند إلى نوع من ثقة ساذجة في حقيقة ما يقوله لنا خصومنا، لكنها تستند إلى ما تمليه مصالحهم الخاصة الباردة المشاعر.

بالنسبة لروسيا، فإنه من شأن هجوم أميركي على سوريا أن يتسبب في فقدان موسكو لحليفها الرئيسي في العالم العربي ولقاعدتها العسكرية في اللاذقية، كما يؤدي إلى فقدان هيبتها. وحرب أميركية على نظام الأسد قد تعني أيضاً استيلاء المتشددين على بعض الأسلحة الكيماوية للأسد، التي يمكن أن تظهر في القوقاز في أثناء دورة الألعاب الأولمبية في سوتشي.

وبالنسبة للأسد، فإنه يريد البقاء والخروج منتصراً من حربه الأهلية. وهذا يعني تفادي وقوع حرب مع الولايات المتحدة، والالتقاء مع الأميركيين في منتصف الطريق.