وفقاً للمعايير الألمانية، فإن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل سجلت فوزا ساحقا في الانتخابات الأخيرة. لكن تذكروا "ميداس"، الملك الإغريقي، الذي واجه الموت جوعا لأن كل ما يلمسه، بما في ذلك الطعام والشراب، كانت يتحول إلى ذهب.

والمستشارة يبدو أن لديها اللمسة نفسها. فقد اجتذبت ما نسبته 41.5% من الأصوات، وكان هذا العرض الأفضل لحزبها؛ حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، في غضون 20 سنة. لكن تنقصها خمسة مقاعد للوصول إلى الأغلبية المطلقة، مما سيضطرها للتسول من أجل الحصول على مساعدة من الشريك في الائتلاف الحكومي.

وبالتأكيد، سوف تجد بعض النفوس الصديقة. والحزب الديمقراطي المسيحي لديه صديقان محتملان لتشكيل ائتلاف، وعلى الأرجح أن يكون الحزب الديمقراطي الاشتراكي من يسار الوسط، الذي حصد ما يقل قليلا عن نسبة 26% من الأصوات. وهناك المرشح الأقل رجحانا، حزب الخضر، الذي حصل على نسبة 8% من الأصوات. لكن الخيارين ينذران بالمتاعب، بمساومات معقدة وطويلة وربما بحكومة ضعيفة في نهاية المطاف.

قتال عنيد

ويتذكر الحزب الديمقراطي الاشتراكي بأسى المرة الأخيرة التي دخل فيها في ائتلاف مع ميركل، وتقاسم الحكومة معها بعد عام 2005، حيث تبين أنه رهان قاتل. وفي نهاية الولاية، هزم الحزب الديمقراطي الاشتراكي في انتخابات 2009، مع حصوله على نسبة 23%، وكانت هذه أسوأ نتيجة في تاريخه منذ الحرب العالمية الثانية. وفكرة وجود "الائتلاف الكبير 2" تنبئ الآن بزواج غدر، من المؤكد أنه سيجعل الحزب الديمقراطي الاشتراكي يقاتل بعناد على هويته واستقلاليته.

وفي الوقت نفسه، شريك ميركل الجديد سوف تعذبه الإغراءات. وعلى الرغم من أن الانتخابات الأخيرة كان علامة انتصار للديمقراطيين المسيحيين، إلا أن التصويت جلب أغلبية ضئيلة لأحزاب اليسار مجتمعة في "البوندستاغ".

نظريا، يمكن أن تحكم الأحزاب الثلاثة؛ الحزب الديمقراطي الاشتراكي وحزب الخضر وحزب اليسار المتشدد "دي لينكه"، جماعياً. لكن على صعيد الممارسة، لا يمكن ذلك، على الأقل ليس بعد. واحتمال حدوث هذا الأمر، على ضآلته، كما هو عليه الوضع الآن، سيؤلف زواجا مضطربا بين الديمقراطيين المسيحيين والديمقراطيين الاشتراكيين.

المعنى الأعمق

والمعنى الأعمق لهذه الانتخابات الغريبة، التي تشكل نصرا للمستشارة السابقة والحالية، يتمثل في تشكيله نقطة تحول في تاريخ ألمانيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فللمرة الأولى منذ عام 1949، لن يمثل الليبراليون، الحزب الديمقراطي الحر، في البرلمان "البوندستاغ"، بعد أن فشل في تخطي عقبة 5%. وبذلك ذهب الحزب الوحيد الذي من المفترض أن يقف مع اقتصاد السوق الحرة والضرائب المنخفضة والحكومة الصغيرة.

ولقد ترك الألمان مع أربعة أحزاب في السلطة، مجموعها يصل إلى إجماع ديمقراطي اشتراكي يغطي المشهد كله. والسمة المميزة لهذا الإجماع هي دولة تنظم وتنفق وتفرض الضرائب وتوفر جميع الخدمات.

بتعابير أخرى، البلاد الأغنى والأكثر نجاحا في أوروبا اختارت الإبقاء على الوضع الراهن الذهبي. وفيما تدخل ميركل ولايتها الثالثة وربما الولاية الأخيرة لها، فإنها تمثل تماما هذا التوجه، ولهذا السبب جنت فوزها المذهل. وتعتقد النفوس المتفائلة للمعلقين الألمان أنها ستضع انتصارها في سبيل تحقيق فائدة، وتأمل أن تتغلب المستشارة الآن على سلفها غيرهارد شرويدر بأجندة إصلاح جديدة.

 

احتمالات

الاحتمالات المطروحة ما بعد الانتخابات الألمانية هي أن ميركل سوف تبقي على مسارها، مع بضع درجات إلى اليسار أو اليمين.

وسوف تتحدث وتتصرف بهدوء على المشروع الأوروبي. وسوف تشغل نفسها بالاقتصاد لكنها لن تعيد اختراعه، على الرغم من أن المتاعب تلوح في الأفق ما وراء الأسطح اللماعة، إلا إذا كانت ميركل في أعماق نفسها تدرك في هذه اللحظة من نصرها التاريخي أن لا شيء يفشل مثل النجاح.