تركزت أنظار العالم على الأمم المتحدة في نيويورك، أخيراً، في انقلاب مذهل في السياسة الدولية.

فقد كان من الممكن أن نكون الآن وسط حرب في الشرق الأوسط، مع قيام الولايات المتحدة وفرنسا بالهجوم على سوريا، مما كان سيشعل مجدداً القتال الذي توقف عبر الحدود بين جنوب لبنان وإسرائيل.

وبدلا من ذلك، عادت الأمم المتحدة لتحتل مركز الحدث، وعاد مجلس الأمن للعمل مجددا، فيما تجري الدول الخمس الأعضاء الدائمة العضوية حوارا بناء حول الأسلحة الكيماوية في سوريا، للمرة الأولى في غضون سنتين ونصف السنة.

وفي إشارة مشجعة إلى حد كبير، هناك حضور الآن في نيويورك للرئيس الإيراني الجديد، حسن روحاني، العازم بوضوح على تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، والرئيس الأميركي باراك أوباما، والذي يتحدث بلغة السلام، بشأن كيفية استيعاب حق إيران في أن يكون لديها برنامج مدني للطاقة النووية، مع ضمانات يجري احترامها لمعاهدة حظر الانتشار النووي لمنع تصنيع أسلحة نووية.

إفشال الهجوم

وينبغي أن يشكل مصدر فخر للشعب البريطاني قيام الغرفة الديمقراطية لمجلس العموم في البرلمان البريطاني بالتجاوب مع وجهات نظر أعضائها وتجاهل نصيحة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ووزير خارجيته. فقد أصبح جليا تماما الآن أن نية الولايات المتحدة كانت قصف سوريا بعد أيام معدودة من هذا النقاش.

ومهد امتناع 95 عضوا عن التصويت في منع رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون من مشاركة بريطانيا في أي قصف على سوريا ما مهد الطريق لأوباما لكي يعلن بدوره أنه سيشاور الكونغرس أيضا.

كما مهد ذلك الطريق أيضا إلى اجتماع مجموعة العشرين في سان بطرسبورغ، من اجل إتاحة الفرصة لأوباما للتحدث مباشرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن سوريا، وما تبع ذلك من دبلوماسية أميركية - روسية.

 وفي نيويورك، يجب أن تمضي الدبلوماسية نحو إرساء أسس التوصل إلى تسوية للحرب الأهلية الطويلة والمريرة في سوريا عن طريق التفاوض. والخطوة الحاسمة هي أن يقوم أوباما بالتوضيح للرئيس الإيراني أن إيران ستكون موضع ترحيب للمشاركة في مؤتمر شرق أوسطي حول سوريا.

أربع حقائق

لماذا يعد إشراك إيران أمرا حيويا إلى هذه الدرجة؟ السبب بسيط، وهو أن السياسة الواقعية تقوم على أربع حقائق، وهي أن إيران مشاركة بالفعل على الأرض بوجود نخبة حرسها الثوري. وإيران تساعد في تمويل الأسلحة روسية الصنع إلى سوريا. وإيران لديها تأثير حاسم في حزب الله.

ولماذا يعد البدء بمفاوضات سلام أمرا ملحا إلى هذه الدرجة؟ السبب الرئيسي هو أن الخريطة التي تظهر أيا من القوات يسيطر على المناطق في سوريا تتغير بسرعة، وفي اتجاه معاكس لسلام مستدام.

فقوات الرئيس السوري بشار الأسد تقترب أكثر من أي وقت لفرض خط التقسيم، وهو خط يمكن الدفاع عنه، لكنه سيترك ذيولاً عميقة. فهذه القوات لا تسيطر حتى الآن على كامل العاصمة دمشق، لكن هذا الأمر قد يتغير قريبا.

وهي لا تسيطر تماما على الحدود كلها جنوبا إلى الأردن الواقع على تخوم الضفة الغربية الفلسطينية وإسرائيل، على الرغم من سيطرتها على الحدود مع لبنان.

في شمال البلاد وشرقها، فإن صعودا قويا على صلة بتنظيم القاعدة أصبح أكثر وضوحا يوما بعد يوم. والراية السوداء لتلك القوى آخذة بالانتشار في كل مكان، والأكراد في سوريا يواجهون صعوبات في الحفاظ على مواقعهم.

ودول الشرق الأوسط لا وقت لديها لوضع جدول زمني لمفاوضات سلام على مهل. والأحداث على الأرض تملي نمط الشرق الأوسط في المستقبل.

ونحن في الديمقراطيات الغربية لا يمكننا أن نملي شكل الخريطة أو طبيعة التسوية، لكن بإمكاننا، مع روسيا وفي إطار الأمم المتحدة المساعدة في تأسيس مسار التفاوض. وكما شهد العالم في البوسنة خلال الفترة من مايو 1993 إلى سبتمبر 1995، فإن التأخير أوجد حالة من الفوضى أكبر مما كان عليه الوضع لو تمت التسوية والمساومة في وقت سابق. والآن في نيويورك، يمكن تأسيس نمط من أجل السلام. فدعونا نأمل أن يجري اغتنام تلك الفرصة التي تتضاءل مع الوقت.

وزير الخارجية البريطاني الأسبق

 

الواقعية السياسية

يمكن أن يؤدي غياب الواقعية السياسية إلى إطالة أوضاع الصراع ومفاقمتها. وفي سوريا، فشل مجلس الأمن فشلاً ذريعا في العمل نحو حل قائم على الواقعية السياسية.

كانت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا تتحدث عن الأحكام الأخلاقية، رافضة في الوقت نفسه مواجهة الحقائق غير المريحة، وهي أنه بعد القبول بتمرير القرار الأممي بشان ليبيا من خلال الامتناع عن التصويت، فإن روسيا والصين لم تكونا على استعداد لتمرير أي قرار مماثل حول سوريا ينطوي على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، خشية من أن يستخدم مثل هذا القرار مجددا لإحداث تغيير في النظام.

وعلى أساس الواقعية السياسية، روسيا دوما لا بد من مشاركتها في إيجاد المناخ للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وتسوية عن طريق التفاوض في سوريا. ومع مرور الوقت، وبروز الحرب الأهلية، أظهرت الأحداث انه مثلما ينبغي مشاركة تركيا والعراق والأردن، كذلك ينبغي مشاركة إيران.