كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مترددة في الدفع باتجاه أي سياسة حيال الاتحاد الأوروبي من شأنها التشويش على الناخبين، وبالتالي، بقيت الإجابة عن ما الذي ستكون عليه "الخطوة التالية" بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي في أولوية متأخرة، على مدى نصف السنة الماضية.

وأخيرا، فازت ميركل بنصر مذهل، لكن حزبها الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ سيضطر إلى تشكيل ائتلاف حكومي، على الأرجح مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي، الذي يتخلف عنه بأكثر من 15 نقطة.

ويقول المحللون إن الأوروبيين، الذين يتوقعون تغيرات كبرى في ألمانيا ما بعد الانتخابات، حتى في ظل حكومة تتجه إلى اليسار، سيصابون على الأرجح بخيبة أمل. فعملية بناء الائتلاف قد تستغرق شهورا، وهذا سيؤخر أي تغييرات مقبلة. وفي النهاية، فازت ميركل بهذا التفويض الواضح بسبب إعجاب الألمان بنهجها البطيء والمتردد تجاه أوروبا.

في هذا السياق، تقول ممثلة ألمانيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أولريكه غويروت: "هناك عدم تطابق في التوقعات" بين ما تسعى أوروبا للحصول عليه من ألمانيا، وقدرة ألمانيا على المضي في ذلك.

والأوروبيون الذين أرادوا ألمانيا مقيدة تاريخيا، يتوقعون منها الآن أن تلعب دورا قياديا في جعل أوروبا أكثر فاعلية. وترى غويروت أن "زيادة نفوذ ألمانيا على النظام يشكل وضعا جديدا لكلا الجانبين".

الوضع الراهن

وقد فاز حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بنسبة 41.5% من الأصوات، ما جعل هذه النتائج الأقوى التي يحققها الحزب منذ عام 1990، وتغلب على الحزب الديمقراطي الاشتراكي، الذي حصل على 25.7% من الأصوات فقط. ونظرا لعدم التوازن القائم، فإن العديد من المحللين يتوقعون استمرار الوضع الراهن، حتى لو كان الحزبان سيشكلان ما يسمى "ائتلافا كبيرا".

بالنسبة إلى أوروبا، فإن هذا يعني المزيد من الحذر من جانب برلين، التي ستواصل على الأرجح اتباع نهج "الخطوة خطوة" الذي تتبناه ميركل في التعامل مع أزمة اليورو، مطالبة الاقتصادات المتعثرة في الجنوب بالخضوع لخفض في العجز وإصلاح أوضاعها في مقابل "إنقاذها". وهذا يعني أيضا أن ألمانيا سوف تستمر في السير ببطء نحو الإصلاح الكبير التالي في بروكسل، وهو الوحدة المصرفية، وربما حتى بشكل أبطأ الآن، مع بدء ظهور علامات الإنهاك من جانب الاتحاد الأوروبي في جميع أنحاء ألمانيا.

وحذر ميركل هو في جانب منه ميل طبيعي، لكنها من ناحية أخرى تعرقل التركيبة السياسية في برلين خطواتها، مع قيام الرقابة البرلمانية والمحكمة الدستورية بطرح وجهة نظرهما في خطط ألمانيا لناحية تشكيل أوروبا. وربما العقبة الأكبر حيال التغيير تكمن في العقلية الألمانية، التي أكدتها نتائج الانتخابات، ومفادها أن ألمانيا تعطي ما يكفي، لكن ليس كثيرا. وهذا الموقف يتسبب في استياء واسع النطاق في بعض المناطق الأوروبية.

غموض الموقف

ويقول مدير مؤسسة كارنيغي أوروبا في بروكسل جين تيشو، في مقالة نشرها أخيرا في صحيفة "نيويورك تايمز" إن: "ميركل أشرفت على تعميق التكامل الاقتصادي الأوروبي". لكنها أعلنت، أخيرا، أنه ربما حان الوقت لإعادة السلطات إلى الحكومات المحلية من بروكسل. ومن غير الواضح ما يمكن أن يبدو عليه هذا الأمر، لكنه يعكس التعب المتزايد من ضخامة الاتحاد الأوروبي عموما، وهو الأمر الذي لوحظ في العديد من استطلاعات الرأي.

وقد أظهر استطلاع أجرته "يوغوف دويتشلاند" أخيرا تأييد الألمان لتقليص حجم الاتحاد الأوروبي. وبفارق 2 مقابل 1، ذكر الألمان الذين أدلوا برايهم أنه ينبغي على المستشارة الدفع من أجل سلطات لامركزية إزاء الاتحاد الأوروبي على المستويات الوطنية والإقليمية أو المحلية. وقد يكون هذا أحد الأسباب وراء حصول الحزب المشكك باليورو "البديل من أجل ألمانيا" على نسبة 4.9% من الأصوات.

لكن هذا التشرذم السياسي في ألمانيا سيعقد قيادة ميركل للبلاد. غير أنه استنادا إلى الصحافي والمحلل السياسي، ستيفان كورنيليوس، الذي ألف كتابا عن ميركل، فإن: "أزمة اليورو ستكون السياسة الأكثر حسماً في مسيرتها السياسية".

 

مفاوضات صعبة

قبل أن يحدث أي شيء في أوروبا، فإنه سيتعين على الحزب الديمقراطي المسيحي أن يشكل ائتلافا مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي على الأرجح، وهذان الحزبان سيخضعان لمفاوضات صعبة، قد تستغرق شهورا، علما أن التأييد للحزب الديمقراطي الاشتراكي تراجع بعد "الائتلاف الكبير" خلال ولاية ميركل الأولى في عام 2005، والسياسات المحلية للحزبين في هذه الانتخابات منقسمة، لا سيما على قضايا الحد الأدنى للأجور والضرائب على الأغنياء.

فإذا تمكنا من تشكيل ائتلاف، فإنه من غير المرجح أن يحدث تغييرا جذريا على الجبهة الأوروبية. يقول انرديس بوش أستاذ السياسية في جامعة غوتنغن: "جميع الأحزاب الرئيسية في ألمانيا دعمت نهج ميركل في خطط الإنقاذ عندما تبين أن اليورو قد لا يعمر، وبالتالي ستواجه صعوبة في القيام بانعطافة كبيرة، وميركل لن تقبل بائتلاف يجبر على تلك الانعطافة"، علما أن أي تغيير مفاجئ يعارض جوهر شخصيتها.