قبل أربعين عاماً، تخبطت إسرائيل على نحو كارثي عشية حرب أكتوبر، لأن قادتها العسكريين كان لديهم مفهوم خاص، حول الظروف التي قد تتعرض في ظلها إسرائيل إلى هجوم، وكان هذا المفهوم خاطئاً. وقبل عشرين عاماً، تخبطت إسرائيل مجدداً بتوقيعها على اتفاق أوسلو، لأن قادتها السياسيين كان لديهم مفهوم حول ما سيتطلبه الأمر لتحقيق السلام، وكان المفهوم خاطئاً أيضاً.
وهذا الموضوع يستحق التأمل اليوم، فيما تروج إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لمفهوم آخر، وهو أن صفقة مع روسيا تؤدي إلى نزع سوريا لسلاحها، تشكل سبباً لإلغاء الضربات العسكرية. لكن الاتفاقات ليست إنجازات، والأمنيات ليست حقائق، والنظرية ليست حقيقة واقعية.
مفهوم خاطئ
في عام 1973، فإن ما أطلق عليه مخططو الجيش الإسرائيلي تسمية "المفهوم"، كان مفاده أن مصر لن تهاجم إسرائيل من دون سوريا، وأن سوريا لن تهاجم من دون مصر، وأن الأخيرة تفتقر إلى قاذفات قنابل بعيدة المدى وصواريخ بالستية تحتاجها لاستعادة السيطرة على شبه جزيرة سيناء. وهذا المنطق سمح لإسرائيل بصرف النظر عن الأدلة المتراكمة بشأن حصول هجوم وشيك، باعتبار أن الموضوع ليس أكثر من مجرد حرب نفسية.
والخلل في المفهوم كان المفهوم نفسه، فالنظرية توفر الرؤية على حساب الوضوح، وتعوق تشغيل الفكر. فلو كان الهدف المصري يقضي باستعادة السيطرة على مجمل سيناء، لما كان الرئيس المصري الأسبق أنور السادات أمر بالهجوم مطلقاً.
لكن المخططين الاستراتيجيين في إسرائيل فشلوا إلى حد كبير في توقع أن يكون المصريون على استعداد للتخلي عن الهدف العسكري الميؤوس منه، المتمثل في استعادة السيطرة على سيناء، في مقابل الهدف المجدي في استعادة السيطرة على جزء منها، وأن السادات قد يستخدم وسائل عسكرية محددة لتوجيه ضربة نفسية وسياسية حاسمة. واهمل الإسرائيليون أيضاً الأخذ في الاعتبار إمكانية قيام المصريين بتحويل المفهوم لصالحهم. والمفهوم لم يأخذ في الاعتبار أن البشر أذكياء والطبيعية متكيفة.
ومن هذا المنطلق، كان المفهوم مثل أي نظرية كبرى تتجاهل دورها في إعادة خلط الافتراضات والحوافز، وهكذا دواليك مع المفهوم الكبير التالي، عندما قررت حكومة إسرائيلية أن السلام كان في يدها لتمنحه، وأن الجانب الآخر سيكون على استعداد لقبول ما اختارت أن تقدمه.
وتوقيع اتفاق أوسلو، تحت رعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، في حديقة البيت الأبيض، يجري تذكره بشكل واسع كلحظة أمل. لكنه في الواقع كان عملاً من أعمال الغطرسة.
الغطرسة والخداع
اعتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين (الذي دفع حياته ثمناً لأوسلو) أن بإمكان ياسر عرفات أن ينوب عنه كمأمور شرطة، بحيث يكف الجنود الإسرائيليون عن التنقل من منزل إلى آخر في غزة والضفة الغربية، وتخيل شيمون بيريز شرق أوسط جديداً، حيث الدول العربية تتدافع لعقد صفقات مع إسرائيل. وبعض مهندسي الاتفاقات اعتقد أن الفلسطينيين يمكن شراؤهم بثمن بخس، أي بحكم ذاتي بدلاً من إقامة دولة، مع تحديد مدينة رام الله كعاصمة بدلاً من القدس، ومع إبقاء حماس مقموعة بشكل دائم، ومع إخراج قضية اللاجئين من طاولة المفاوضات. واعتقد البعض الآخر أن الجمهور الإسرائيلي يمكنه تدريجياً أن يتنازل عن أشياء لم يكن ليوافق عليها في البداية.
بالتالي، الخداع كان جوهر ما أصبح يعرف بعملية السلام. وفيما كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري يحاول إعادة الحياة لروح اتفاقية أوسلو، قبل أن تصرف انتباهه الأوضاع في سوريا، فإن الاتفاق لا بد من تصنيفه كأكبر كارثة دبلوماسية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
وحتى الآن، تتخلى إدارة أوباما عن انتزاع ثمن ملموس من الرئيس السوري بشار الأسد على استخدام الأسلحة الكيماوية، في مقابل وعد من روسيا بأنها ستتدخل لإزالة تلك الأسلحة.
وهكذا يبدأ الأمر من جديد. نقوم بإحلال المفهوم محل الحقيقة الواقعية. ونتخيل أن أولئك الذين ينطبق عليهم المفهوم سيتصرفون وفقاً لتوقعاتنا، أو طلبنا أو تمنياتنا. ونهمل أن وجود المفهوم يغير الحوافز. ونطمئن انفسنا بأن منطق المفهوم هي الطريقة التي يتصرف بها الناس في العادة. ومن ثم ينفجر المفهوم في وجهنا.
ولا تتوقعوا أن يدفع باراك أوباما ثمناً سياسياً عن هذه الحلقة الأخيرة من السلام في عصرنا.
أدوار وهمية
كان المفهوم وراء أوسلو يعني أن الإسرائيليين والفلسطينيين سيقبلون بالأدوار المسندة اليهم، وانه يمكن أن يمارس عليهم تأثير دون أي رد فعل في المقابل. والدور المسند إلى عرفات كان أن يصبح حاكماً لدويلة عربية مسالمة. لكنه اعتقد بأن مجيئه هو المجيء الثاني لصلاح الدين الأيوبي، البطل المسلم الذي استولى على القدس من الصليبيين. والجمهور الإسرائيلي أسند إليه دور توفير الموافقة الديمقراطية على التنازلات عن الأراضي، تلك الموافقة التي قالت الحكومات الإسرائيلية السابقة أنها ستكون انتحارية في غضون 25 عاماً. وأسند للفلسطينيين دور أغنام عرفات من دون أي مصالح أو آراء أو تحيزات مسبقة، لكن الفلسطينيين يعرفون أنهم ليسوا كذلك. ولقد فشل أوسلو لأنه افترض عالماً حيث الناس لا حول ولا قوة لهم، أو أعداء، وبأن الظروف لا تتغير.
