أكد المفكر والناشط الأميركي، نعوم تشومسكي، محدودية خيارات المفاوض الفلسطيني بعد 20 عاما من أوسلو، وقال في حوار أجراه معه موقع «إنفورميشون كليرنغ هاوس»، إن اليأس قد يكون أحد أسباب دخول السلطة الفلسطينية في مفاوضات تصب بالكامل في مصلحة إسرائيل، مشيراً إلى عجز السلطة الفلسطينية واعتمادها الكامل على المساعدات الغربية، وتعمد إسرائيل منع تحول الاقتصاد الفلسطيني إلى اقتصاد منتج. وتطرق تشومسكي إلى أزمة سوريا واحتمال تقسيمها إلى ثلاث مناطق، مؤكدا ارتياح إسرائيل لما يجري هناك من اقتتال داخلي.وفي ما يلي نص الحوار:

ما هو تعريف إسرائيل والولايات المتحدة للمفاوضات الجارية بين الفلسطينيين وإسرائيل، ولماذا تجاريهما السلطة الفلسطينية في هذه اللعبة؟

من وجهة نظر الولايات المتحدة، فإن المفاوضات في الواقع تشكل وسيلة لإسرائيل لمواصلة سياستها في الاستيلاء الممنهج على ما ترغب به في الضفة الغربية، وفي الحفاظ على الحصار الوحشي على غزة، وفصل غزة عن الضفة الغربية، وبطبيعة الحال، احتلال هضبة الجولان السورية، كل هذا بدعم أميركي كامل. وإطار المفاوضات كما كانت الحال خلال السنوات العشرين الماضية لتجربة أوسلو، وفر غطاء لهذا الغرض.

وعلى الأرجح، فإن السبب وراء مجاراة السلطة الفلسطينية في هذه اللعبة، يعود في جانب منه إلى حالة اليأس. يمكن أن نسأل ما إذا كان هذا هو الخيار السليم أم لا، لكن ليس لدى السلطة الفلسطينية الكثير من البدائل. فإذا رفضوا الانضمام إلى المفاوضات التي تديرها الولايات المتحدة، فإن أساس دعمهم سينهار، وهم يعيشون على التبرعات بشكل أساسي. وإسرائيل عملت على ضمان أن لا يكون الاقتصاد الفلسطيني اقتصادا منتجا، بل اقتصاد يقترض لا غير، ويعيش على ما يمكنه الحصول عليه. وهم يتلقون دعما كافيا من الخارج، حتى تتمكن النخب الفلسطينية من العيش وفقا لنمط حياة لائق، وفي كثير من الأحيان، نمط حياة مسرف، فيما المجتمع من حولهم ينهار.

الاستسلام الكامل

إذن هل يعد انهيار السلطة الفلسطينية واضمحلالها أمرا سيئا في النهاية؟

الأمر يتوقف على من سوف يحل محلها. فإذا افترضنا أنه سيسمح في النهاية لمروان البرغوتي بالانضمام إلى المجتمع بطريقة انضمام نيلسون مانديلا، فإن هذا يمكن أن يكون له تأثير في إعادة إحياء تنظيم مجتمع فلسطيني، قد يضغط من اجل المزيد من المطالب المهمة. لكن لنتذكر: الفلسطينيون ليس لديهم الكثير من الخيارات.

وفي الواقع، لنعد إلى بدايات اتفاقات أوسلو، التي مضى عليها عشرون عاما. كانت هناك مفاوضات جارية، مفاوضات مدريد، حيث كان الوفد الفلسطيني بقيادة حيدر عبد الشافي، الذي يحظى باحترام كبير. وهو كان يرفض الموافقة على الشروط الأميركية الإسرائيلية، التي كانت تطالب بشكل حاسم بمواصلة التوسع الاستيطاني. ولهذا توقفت المفاوضات ولم تصل إلى أي مكان.

وفي غضون ذلك، ذهب الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وفلسطينيو الخارج بطريق جانبي من خلال مسار أوسلو، وتمكنوا من فرض سيطرتهم، وحيدر عبد الشافي كان معارضا تماما لهذا، إلى حد أنه لم يأت إلى الحفل الكبير والفارغ المضمون، عندما أشرق وجه الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون بابتسامة عريضة، فيما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين وعرفات يصافح أحدهما الآخر. ولم يأت لأنه ادرك أن الأمر كان عبارة عن استسلام كامل. لكنه كان مبدئيا، وبالتالي لم يتمكن من الوصول إلى أي شيء، ولن نصل إلى شيء إلا إذا كان هناك دعم كبير من الاتحاد الأوروبي، ودول الخليج وفي النهاية الولايات المتحدة الأميركية.

سوريا على حد الانتحار

في رأيك ما الذي هو حقا على المحك فيما يتكشف في سوريا في الوقت الراهن، وماذا يعني ذلك بالنسبة إلى المنطقة الأوسع نطاقا؟

حسنا، سوريا تصل إلى حد الانتحار. انها قصة رعب وتزداد رعبا يوما بعد يوم. وليست هناك نقطة مضيئة في الأفق. وما يمكن أن يحدث، إذا استمر هذا المسلسل، هو أن سوريا سوف تقسم ربما إلى ثلاث مناطق: منطقة كردية يجري تشكلها بالفعل، يمكن أن تنسحب من سوريا وتنضم بطريقة ما إلى كردستان العراق المتمتع بحكم شبه ذاتي، ربما في إطار صفقة ما مع تركيا.

أما باقي البلاد، فسوم تنقسم بين منطقة يهيمن عليها نظام الرئيس السوري بشار الأسد، تخضع لنظام وحشي مرعب، ومنطقة أخرى تهيمن عليها الميليشيات المختلفة، تتراوح ما بين ميليشيات حاقدة للغاية وعنيفة، إلى ميليشيات علمانية وديمقراطية. وفي غضون ذلك، فإن إسرائيل تنظر إلى ما يجري وتستمتع بالمشهد. وبالنسبة للولايات المتحدة، فإنه لا بأس بما يجري.

وفي غضون ذلك، فإن إسرائيل يمكنها أن تحتفل بمكانتها، أي ما يسميه الإسرائيليون «فيلا في الأدغال»، بينما الحيوانات البرية هناك تمزق بعضها إربا. وبالطبع، إسرائيل في تلك الصورة لا تفعل شيئا إلا حماية نفسها. والإسرائيليون معجبون بتلك الصورة، فيما لا يبدو أن الولايات المتحدة مستاءة كثيرا منها أيضا.

المشهد المفضل

 

يرى المفكر والناشط الأميركي نعوم تشومسكي أنه لو أرادت الولايات المتحدة وإسرائيل مساعدة الثوار السوريين، وهو ما لا ترغبان به، لكان بإمكانهما القيام بذلك، حتى من دون تدخل عسكري. على سبيل المثال، لو قامت إسرائيل بحشد قوات في مرتفعات الجولان (وهذه المرتفعات هي سورية، لكن العالم الآن يتسامح ويقبل إلى حد ما بالاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي لها)، لو أنها فعلت ذلك فقط، لكانت أجبرت الأسد على نقل قواته إلى الجنوب، الأمر الذي كان من شأنه أن يخفف الضغط على الثوار. لكن ليس هناك حتى من تلميح لذلك. وكل هذا يوحي بأن إسرائيل والولايات المتحدة تفضلان تحديدا ما يحدث في سوريا اليوم.