قد يكون من السهل نسيان أن كينيا كانت تشتعل، منذ ما يقرب من ست سنوات، فيما يتعرض العالم لصدمة الفظائع المرتكبة في سوريا ومصر.
لكن الكينيين لم ينسوا، ولا أولئك الذين تدخلوا لدعمهم وقت الحاجة.
في عام 2008، تم تعييني رئيس لجنة الاتحاد الإفريقي للشخصيات الإفريقية البارزة، حيث قمت بجهود وساطة للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الأزمة. وصلت إلى نيروبي فيما كانت تشتد أعمال العنف التي أثارت المخاوف من أن البلاد ربما ستشتعل في حرب أهلية. والهدف الأول للوساطة كان في وقف أعمال العنف، وهذا ما حصل. واعترافا بجذور الأزمة المعقدة، فقد دعا الاتفاق أيضا إلى تحديد المسؤولية عن الجرائم المرتكبة، وإجراء إصلاحات دستورية وانتخابية وفي القطاع الأمني، حتى لا تتكرر دوامة العنف.
وإحدى النتائج الملموسة التي جرى التوصل إليها كانت لجنة واكي، وهي لجنة تحقيق وطنية في أعمال العنف التي تلت الانتخابات. ولقد خلصت هذه اللجنة إلى أن العنف لم يكن عفويا، وأنه على الأقل في بعض المناطق، كان نتيجة لتخطيط وتنظيم، بمشاركة من سياسيين ورجال أعمال في معظم الأحيان. وهذا الأمر لم يكن مستغربا، فلطالما استغل سياسيون متعطشون للسلطة الانقسامات العرقية في كينيا مع الإفلات من العقاب.
وفي سبيل كسر هذه الحلقة، أوصت اللجنة بأن تقوم كينيا بتشكيل محكمة خاصة لمحاسبة معظم المسؤولين، لكن اللجنة توقعت أيضا إمكانية قيام المصالح السياسية الراسخة في كينيا بتقويض العدالة، لذا في حالة التقاعس، تحول القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية. والرئيس الكيني ورئيس الوزراء والبرلمان حينها وافقوا على تلك الشروط. واللجنة منحتني أيضا ظرفا مختوما بأسماء أشخاص رفيعي المستوى يزعم مسؤوليتهم عن أعمال العنف.
ولقد أثبتت اللجنة عدم تبصرها، للأسف. فقادة كينيا وافقوا مبدئيا على تأسيس محكمة خاصة، لكن المقترحات بشأن المحكمة تم رفضها مرتين من قبل البرلمان. وعلى خلفية وعود العدالة التي لم يجر الوفاء بها، امتثلت لتوصيات اللجنة في يوليو 2009، وقمت بتسليم الظرف المختوم إلى المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية. وفي ظل غياب خطوات وطنية نحو تحقيق المساءلة، قرر المدعي العام بموافقة قضاة المحكمة فتح تحقيق في الأمر.
وكانت هناك جهود نشطة ليضفى على القضية طابع الاعتداء على سيادة كينيا.
الملاذ الأخير
لكن السجل واضح، ولا يفترض أن يكون هناك أي مجال للشك: فشل الحكومة الكينية في تأمين العدالة للضحايا والناجين من بينهم، هو الذي مهد الطريق للمحكمة الجنائية الدولية، وهي محكمة الملاذ الأخير. وهذه المحاكم تمثل الخطوات الأولى نحو سلام مستدام يرغب به الكينيون بشدة، ولا يمكن تحقيقه إلا إذا تأكد عدم وجود قادتهم فوق القانون.
والأسباب الكامنة للأزمة الكينية يمكن أن تطفوا مجددا إلى السطح، حيث إن الإصلاحات السياسية التي تم تحديدها خلال الوساطة تعثرت. ولا مجال للشك بان الإفلات من العقاب يبقى أحد أعظم مصادر التوتر. وكل من الرئيس الكيني أوهورو كينياتا ونائبه وليام روتو، المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، تعهدا بالتعاون مع المحكمة، لكن البرلمان صوت أخيرا بسحب كينيا من المحكمة الجنائية الدولية. والقرار لن يكون له تأثير، ولن يصبح نافذ المفعول على الأقل حتى سنة إضافية. ومع ذلك، هذه التحركات السياسية هي بمثابة إهانة للضحايا وللشجاعة التي أظهرتها كينيا عندما انضمت إلى المحكمة في عام 2005.
تحقيق محلي
لا تشكل القضايا المطروحة أمام المحكمة الجنائية الدولية حلا شاملا لأزمة الإفلات من العقاب في كينيا. ويتعين على السلطات الكينية أن تتحرك أيضا من اجل التحقيق في قضايا أخرى متصلة بالعنف خلال الفترة 2007-2008. ويعد هذا الأمر مهما ليس فقط لضحايا الماضي، وإنما أيضا لمستقبل كينيا. وانتخابات عام 2013 تجنبت صراعا واسع النطاق، لكن لا يفترض أن نخطئ بين تقليص حدة العنف والسلام.
