ارتفاع مستوى العنف في العراق يصعب قياسه وتفسيره، لكنه يمثل خطرا جديا لإمكانية عودة العراق إلى مستوى الصراع الأهلي الذي سبق أن اختبره خلال منتصف العقد الماضي. وقد حرص الباحثون في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن على دراسة أنماط العنف واتجاهاته في العراق، منذ رحيل القوات الأميركية في نهاية عام 2011. وركزوا على الإحصاءات المتعلقة بالعنف ومحدوديتها. وكذلك الدور النسبي للحكومة المركزية في العراق كمسبب لهذا العنف، نسبة إلى دور الجهات الفاعلة الأخرى والمجموعات المتطرفة من غير الدول التي تتبنى العنف، وطبيعتها.

عودة الصراع الأهلي

ووجد الباحثون أن هناك مشكلات خطيرة كثيرة في مجال تقدير مستوى العنف في العراق، وأسبابه، ومسؤولية الجهات الفاعلة المعنية. لكن البيانات الصادرة عن "بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق"، والمصادر الاستخبارية الأميركية التي رفعت عنها السرية، وغيرها من التقارير الأميركية الأخرى، وتقارير المنظمات غير الحكومية مثل "هيئة الإحصاء بالعراق"، كلها تعد بيانات جيدة بما فيه الكفاية لتطوير مخططات وخرائط تفصيلية للاتجاهات المستقبلية، وللتحذير من أن العراق قد يكون في طريق العودة إلى مستوى من الصراع الأهلي، من شأنه الوصول إلى مستوى الحرب الأهلية الخطرة.

وتوقف هؤلاء الباحثون أمام مجموعة كاملة من التحديات، التي ما زالت تدفع بالعراق نحو الصراع الأهلي، بالإضافة إلى تأثير الصراعات على السلطة في العراق. وناقشوا دور كل من التطورات السياسية الرئيسية في العراق، والجهات الفاعلة الرئيسية من غير الدول، وقاموا بربط أنماط العنف في العراق بالسياسة العراقية، والزعماء العراقيين، والقوات الأمنية العراقية، وبالجماعات الإرهابية والمتطرفة كل على حدة.

وتعكس البيانات حقيقية أن العنف ليس وليد المتطرفين والجماعات الإرهابية فحسب، بل إن العنف المتنامي في العراق هو نتاج حقيقة أن العراق يشكل مسرح صراع مستمر على تأسيس هوية وطنية جديدة، هوية يمكنها أن تردم الهوة وتبني جسرا عبر الانقسامات الطائفية العميقة بين الشيعة والسنة، فضلا عن الانقسامات العرقية بين العرب والأكراد والأقليات الأخرى.

أسباب النجاح

ولدى العراق إمكانيات كبيرة، كما أن الانقسامات السياسية والعنف المتواصل منخفض المستوى في أرجائه لا يعني انه غير قادر على النجاح في تحقيق الاستقرار والأمن وتأمين حياة أفضل لشعبه. لكن العراق لا يمكن أن ينجح من خلال التنكر للمشكلات التي يواجهها، والمستوى المتزايد من العنف، ومسؤولية القيادات السياسية الحالية للعراق عن مشكلاته.

وتحسين نوعية الجهود العراقية وتركيزها في مجال مكافحة الإرهاب وتأمين الأمن الداخلي يشكل أولوية رئيسية، لكن العراق لا يمكنه أن ينهي العنف من خلال القوة أو القمع. وينبغي أن يعمل قادة العراق على بناء هيكلية جديدة من التوافق السياسي، وبنية إدارة حكم فعالة، ونظام اجتماعي يخفض بشكل حاد من المشكلات الناجمة عن مزيج من الديكتاتورية والحروب والعقوبات والاحتلال والصراع الأهلي، بدأت منذ سبعينات القرن الماضي.

ويجب أن يعالج العراق مشكلات عميقة كامنة، وأن يتعامل مع التزايد المطرد في عدد السكان، ويعمل على تنويع اقتصاده الذي يعتمد بشكل كبير على الصادرات البترولية التي توفر له نحو95% من الإيرادات الحكومية. وهذا الصراع في العراق ما زال من الممكن أن ينتهي بجولة جديدة من الصراع الأهلي الخطير، بل حتى بانقسام البلاد.

هيكلية جديدة

 

ينبغي أن يعمل قادة العراق على بناء هيكلية جديدة من التوافق السياسي. كما يتعين عليهم بناء بنية إدارة حكم فعالة، ونظام اجتماعي يخفض بشكل حاد من المشكلات الناجمة عن مزيج من الديكتاتورية والحروب والعقوبات والاحتلال والصراع الأهلي، كانت قد بدأت منذ سبعينات القرن الماضي.