أثار منظر وجوه ضحايا هجمات الأسلحة الكيماوية في سوريا حالة من الرعب. ولا نعلم حتى الآن عدد الذين لقوا حتفهم، لكن منظمة "أطباء بلا حدود" التي تتعاون مع المستشفيات في سوريا، تقدر أن هناك 3600 ضحية، من بينهم 355 حالة وفاة، تشمل الكثير من الأطفال.
ووفقا للأمم المتحدة، فان الصراع السوري هو أسوأ أزمة لاجئين في العالم حتى الآن، منذ الإبادة الجماعية في رواندا، حيث أسفر هذا الصراع عن تهجير ما يقرب من مليوني سوري، عدا عن مقتل 100 ألف شخص. لكن الصيت السيء للصراع يعود الآن لسبب مواز آخر تقشعر له الأبدان، حيث جرى للمرة الأولى استخدام الحرب الكيماوية خلال القرن الواحد والعشرين في أي مكان بالعالم.
نظام حماية
وعلى مدى 100 عام تقريبا، عمل المجتمع الدولي على بناء نظام من الحماية للبشر ضد استخدام أسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك الأسلحة الكيماوية، وذلك لمنع هذا النوع من الهجمات التي تجري الآن في سوريا. وكشفت الحرب العالمية الأولى الرعب الكامل الذي تسببه العوامل الكيماوية، حيث قضى 90 ألف جندي من مختلف الأطراف اختناقا من استخدام غازات الخردل والكلورين والفوسجين في ساحة المعركة، كما أن ما يصل إلى 1.3 مليون شخص أصيبوا بالعمى أو احترقوا بسببها.
وقوة تلك الأسلحة في إلحاق الموت الشامل العشوائي صدمت العالم ،ودفعته إلى حظر استخدامها في الصراع الدولي من خلال بروتوكول جنيف عام 1925.
والقانون الدولي العرفي يحظر استخدامها تماما الآن، بما في ذلك في الصراعات الداخلية، مثل التي تجري في سوريا. وكانت هناك عقود من العمل المضنى في سبيل بناء نظام دولي من القواعد والضوابط بإشراف الأمم المتحدة لحظر استخدام الأسلحة الكيماوية ولتدمير المخزونات منها. وهذا الأمر مدون في اتفاقية الأمم المتحدة للأسلحة الكيماوية لعام 1993، وهي معاهدة رفضت سوريا التوقيع عليها.
ومع وجود استثناءات مروعة، بما في ذلك الحرب الإيرانية- العراقية وحملة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين ضد الأكراد العراقيين في ثمانينات القرن الماضي، فان الإجماع العالمي حول استخدام الأسلحة الكيماوية في الحرب ظل صامداً. وبلدان مثل بريطانيا كانت قادرة على تركيز جهودها على محاولة تعميم اتفاقية الأمم المتحدة وإبقاء الأسلحة الكيماوية بعيدا عن أيدي الإرهابيين.
ونحن جميعنا نعيش تحت حماية هذا النظام العالمي للحد من الأسلحة، وكما حالت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية دون تهديد المحرقة النووية التي عانى منها جيل بأكمله، فإن هذه القواعد والاتفاقيات تعد جانبا غير مرئي من المشهد العالمي، ولا شك في أنها تصب في مصلحتنا الوطنية. والعمل على الحفاظ والتمسك بها هو صراع مستمر في الدبلوماسية الدولية، والأحداث في سوريا قادرة على أن تقويضها بشكل قاتل.
استخدام متكرر
خلال العام الماضي، شهدنا أدلة على استخدام متكرر من الأسلحة الكيماوية على نطاق ضيق من قبل النظام السوري. وهو ما يصل إلى استخدام واسع ومستمر ومتصاعد للأسلحة الكيماوية من قبل دولة ضد مواطنيها. ولقد حاولنا ردع النظام السوري عن الاستمرار بهذه الهجمات من خلال طرح مخاوفنا على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتمرير رسائل مباشرة عبر القنوات الدبلوماسية، بالعمل مع روسيا. لكن الهجوم الأخير واسع النطاق يظهر أن النظام السوري قد تجاهل تلك التحذيرات.
وهذا الاستخدام المتكرر الفعلي للأسلحة الكيماوية في سود ريا يثير الغضب لأسباب أخلاقية، ويشكل انتهاكا خطيرا للقانون الإنساني الدولي، وتحديا لأمننا المشترك. وينبغي أن يكون هدف أي رد من جانب الغرب منع المزيد من المعاناة الإنسانية المماثلة، وردع المزيد من الاستخدام للأسلحة الكيماوية في سوريا، ودعم الحظر العالمي على استخدامها.
وكل المحاولات السابقة لدفع مجلس الأمن للتحرك حول سوريا تم اعتراضها، لكن لا يمكننا السماح للشلل الدبلوماسي بأن يشكل درعا يختبئ وراءه مرتكبو تلك الجرائم. وهذه لحظة خطر جسيم على الشعب السوري، ولحظة الحقيقة بالنسبة للدول الديمقراطية لكي ترتقي إلى مستوى قيمها، واختبار كبير للمجتمع الدولي. والطريق أمامنا لن يكون خاليا من المخاطر، لكن مخاطر عدم القيام بشيء على الإطلاق أكثر جسامة.
مخاطر كامنة
كافة الأدلة والمعلومات المتوفرة لدى بريطانيا تتركنا متيقنين من أن نظام الرئيس السوري بشار الأسد كان مسؤولاً عن استخدام الأسلحة الكيماوية.
ولقد أصدرت جامعة الدول العربية قرارا ينص على أنها تحمل الأسد والحكومة في دمشق المسؤولية. ونحن لا يمكن أن نسمح بأن يجري استخدام الأسلحة الكيماوية دون اعتراض. فهذا سيرسل إشارة إلى النظام السوري بأنه لن يواجه أية عواقب عن أفعاله. وسوف يزيد من احتمال حصول المزيد من الهجمات الكيماوية ويزيد خطر إمكانية وقوع هذه الأسلحة في الأيادي الخطأ مستقبلا.
كما لا يمكننا تحمل عملية إضعاف الحظر العالمي على استخدام الأسلحة الكيماوية، أو نسمح بتقويض أمننا بسبب التطبيع الزاحف لاستخدام أسلحة أمضى العالم عقودا من الزمن، وهو يحاول إزالتها.
