هناك من يعتقد أن تصويت مجلس العموم البريطاني على رفض التدخل في سوريا يعني أن بريطانيا لا يمكنها أن تحدث فرقاً في وضع المصدنيين الأبرياء في سوريا، الذين يعانون مثل هذه الكارثة الإنسانية. وأنا لا أوافق على هذا. وفي هذا الإطار، حرص كثيرون على تأكيد ضرورة استخدام مؤتمر "مجموعة العشرين" في روسيا بتوجيه الأنظار إلى سوريا من أجل السعي لتوحيد المجتمع الدولي، وإجبار الأطراف المتحاربة على التوصل إلى حل سياسي ضروري.

لكن التصويت يبقى لحظة مهمة بالنسبة للبرلمان وللبلاد ولعلاقات بريطانيا بالعالم. وهذه اللحظة تعطي الحكومة البريطانية أيضا فرصة للتعلم من الدروس الصحيحة في تسيير شؤون السياسة الخارجية. وقد جادل البعض بان أهمية هذه اللحظة تكمن في أن بريطانيا تتراجع عن دورها المحوري في العالم. وكان هناك حديث عن يوم قاتم وكئيب، وتحذيرات من أن بريطانيا تتراجع إلى انعزالية ضيقة التفكير، وهو مبدأ يسيء لخدمة مصالح بريطانيا الطويلة الأجل، ويهدد السلام والأمن في العالم.

وأنا لا اتفق مع هذا. والشعب البريطاني يدرك أننا نزدهر كبلد عندما نهتم بالعالم، وليس عندما ننغلق على أنفسنا. والشعب البريطاني على استعداد اليوم لقبول التزاماتنا تجاه الآخرين.

استيعاب الدرس

لكن الشعب البريطاني، مع ذلك، يتوقع أن تدار السياسة الخارجية لبلدنا بطريقة مختلفة عما كانت عليه في السنوات الأخيرة. عشر سنوات مضت على بداية الحرب في العراق، ومن الأهمية بمكان أن نظهر أننا تعلمنا الدرس.

ونحن نتذكر كيف أمكن التوصل إلى القرارات في حينها، على أساس قصور في الأدلة الدامغة، وبتسرع في الحكم أدى إلى منع مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة من الحصول على الوقت الكافي الذي يحتاجونه لتقديم تقريرهم. وينبغي أن نتذكر أيضا أن المؤسسات الدولية الحيوية تم تجاوزها في لحظات حاسمة. كذلك أن نتذكر أن عواقب العمل العسكري لم يجر التفكير فيها بما فيه الكفاية.

وأخيرا، أظهر البرلمان البريطاني أننا بدأنا في التغير في ثلاثة جوانب مهمة.

أولا، فيما الإغراء بالنسبة للبعض كان في الانتقال إلى اتخاذ القرارات قبل توفر الأدلة، طالبت البلاد باتباع سياسة تتسم بمزيد من العقلانية والتأني. وعندما يتعلق الأمر بمسائل الحرب والسلام، فإن الشعب البريطاني يتوقع، عن حق، أن تتطابق جدية مداولاتنا مع رزانة القرارات التي يطلب منا اتخاذها.

انهم يعرفون أن الأدلة يجب دوما أن تسبق القرار، ومهما تأججت المشاعر، فإن الشعب البريطاني لديه الحق في أن يتوقع قيادة هادئة متأنية في التفكير وتتسم بحكم سليم على الأمور.

ثانيا، عندما يتعلق الأمر بقضايا التدخل العسكري، فمن الواضح أن المشاركة الفعالة مع المؤسسات الدولية يعد أمرا ضروريا. ويتعين على بريطانيا بالتالي أن تسعى دوما للعمل مع الأمم المتحدة، ووفقا للقانون الدولي، وليس رفض الأمم المتحدة باعتبارها مصدر إزعاج في أحسن الأحوال، وفي أسوأ الأحوال عقبة في طريق أهدافنا.

التحالفات الفعالة

ومشاركة تستند إلى صلابة في الرأي لكن بإقدام وشجاعة إلى جانب الأمم المتحدة، تعد أمراً حيوياً، فذلك يساعد في إقامة السلطة الأخلاقية لأي مسار عمل موصى به، ويضمن أن مثل هذا المسار لديه أفضل فرصة للنجاح.

ومجــلس الأمن التابع للأمم المتحدة هو المحفل الذي ينــبغي أن تسعى بريطانيا من خلاله إلى صنع قضيتها للعالم، واخـــتبار تلك القضية، وحيث ينبغي أن تبنى التحالـفات الفعالة. وهذا لا يستبعد التصرف دون إذن من مجلس الأمن، ولكــن وفقا للقانون الدولي، كما كانت الحال في كوسوفو. لكن السعي للعمل من خلال الأمم المتحدة يجب أن يكون الشــرط المسبق الأساسي لأي تحرك.

ثالثا، يتوقع الجمهور منا أن نكون متيقظين حيال عواقب أي تحرك. وفارق رئيسي في الجلبة التي أثيرت في مجلس العموم أخيرا، هو ضرورة وزن تأثير أي تحرك على المنطقة. بالنسبة لعدد كبير من النواب، فإن جانبا من المشكلة يعود إلى أنه عندما طرحت هذه الأسئلة، جاءت الإجابات ناقصة.

ولا شيء في الحقبة الجديدة للسياسة الخارجية تلك يؤدي إلى تراجع بريطانيا عن التزاماتها الدولية أو عن موقعها في العالم، بل على العكس تماما. علاقة خاصة

 

ماذا يعني الالتزام بالتهدئة، والمداولات العقلانية، والتعددية الفعالة لعلاقة بريطانيا مع الولايات المتحدة؟ ينبغي للعلاقة الخاصة بين البلدين أن تدوم، بل ستدوم. فتاريخنا المشترك وقيمنا ومؤسساتنا لا تقتضي منا أقل من هذا. وليس هناك حل لمعظم المشكلات في العالم، سواء أكانت عملية السلام في الشرق الأوسط، أو تغير المناخ، أو سوريا، إلا ويمر عبر الولايات المتحدة.

وفيما يعمل الرئيس الأميركي باراك أوباما وزملاؤه على إصدار أحكام صعبة فيما يتعلق بالوضع في سوريا وغيرها من التحديات في الشؤون الدولية، فإن بريطانيا ستكون دوما في حالة استماع ومشاركة.

وما أظهرته الأحداث في مجلس العموم أخيرا هو أنه مهما كان هذا التحالف وثيقا، فإن بريطانيا في المناسبات قد تتخذ وجهة نظر مختلفة.