تقف السياسة الغربية حيال الشرق الأوسط، في الوقت الراهن، عند منعطف الطريق، فهي إما أن تصبح تعليقاً أو حركة، وإما أن تشكل الأحداث، أو تكون بمثابة رد فعل عليها. وأنا أتفهم بعد الحملات الطويلة والمؤلمة في العراق وأفغانستان كل نزعة للبقاء بعيداً عن عين العاصفة، ومراقبة ما يجري وعدم التدخل فيه، والعمل على اللغة وليس الانغماس في المهمة الصعبة المتمثلة في تغيير الواقع على الأرض. ولكن يتعين علينا أن نفهم بصورة جماعية النتائج المترتبة على التردد بدلاً من المبادرة إلى العمل.
إن الناس جفلون من مواجهة فكرة التدخل، ولكن علينا أن نتأمل النتائج المستقبلية للجمود في الشرق الأوسط. فسوريا غارقة في المذابح بين وحشية الرئيس السوري بشار الأسد وقواته وبين الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة. ومصر تسودها الفوضى، بينما الغرب يتجاهل ما يجري هناك. ونحن نجد أن حلفاءنا يشعرون بالاستياء، وأعداءنا يزدادون جرأة، ونحن أنفسنا في الغرب نعاني من الحيرة والاضطراب، وهذا سيناريو كابوسي ولكن علينا أن نواجهه بشكل أو بآخر.
دعنا نبدأ بمصر، وبالنسبة للكثيرين في الغرب، فإن الأمر واضح هناك، فالمؤسسة العسكرية المصرية أحبطت حكومة منتخبة ديمقراطياً على الرغم من أن تحركها تم بتأييد من جموع غفيرة في الشارع المصري. والغرب يجد نفسه على مسار سريع يقتضي منه تأييد الحكومة الجديدة، ونحن في غمار القيام بما نعتقد أنه أعلى شأناً من ذلك، وأنا أتفهم تماماً لماذا يتم تبني وجهة النظر هذه، ولكن هذا في اعتقادي خطأ استراتيجي خطير.
إن العيب في هذا النهج يكمن في طبيعة جماعة الإخوان المسلمين، فنحن ننظر إليها باعتبارها حزباً سياسياً عادياً ولكنها ليست كذلك. فأنت إذا أردت الانضمام إلى حزب المحافظين البريطاني أو إلى الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني أو الحزب الديمقراطي الأميركي، فإن بمقدورك أن تفعل ذلك بسهولة، .
وسوف يستقبلونك بأذرع مفتوحة. وفي هذه البلاد كلها، فإن الحريات الديمقراطية الأساسية موضع احترام من جانب جميع الأحزاب، أما جماعة الإخوان المسلمين فهي ليست كذلك على الإطلاق. فلكي تصبح عضواً فيها، حتى على أكثر المستويات تدنياً، عليك أن تخوض غمار عملية تستغرق 7 سنوات من التلقين والاختبار. والجماعة يديرها تنظيم قيادي أقرب إلى النظام القديم الذي كان معمولاً به في الحزب البلشفي.
هذه هي الحركة، وما عليك إلا أن تقرأ خطبها، ليست تلك الموجهة إلى الآذان الغربية، وإنما تلك التي يصدقونها والموجهة إلى آذانهم. وما كانوا يفعلونه في مصر لم يكن الحكم بشكل سيء، فأنت إذا انتخبت حكومة سيئة يمكنك أن تتعايش معها، وما كانوا يفعلونه هو التغيير المنهجي للدستور، والسيطرة على المواقع المهمة في الدولة لكي يجعلوا من المستحيل تحدي حكمهم. وكانوا يفعلون ذلك في متابعة لقيم تتناقض مع كل ما نؤمن به.
وهكذا فإنك يمكنك أن تنتقد تصرفات الحكومة الجديدة في مصر، ولكن عيلك أن تدرك أن الخيارات التي واجهتها مصر كانت كلها خيارات صعبة. ولكن اكتفاء الغرب بإدانة الحكومة المصرية الجديدة لن يجعلنا نقترب أكثر من الديمقراطية.
ومصر ليست صنيعة للعبة قوى عالمية تعود الى القرنين التاسع عشر والعشرين، وإنما هي حضارة عريقة تمتد لألوف السنين، وهي شديدة الاعتزاز بنفسها، والجيش له مكانة خاصة في المجتمع، والشعب يريد الديمقراطية، ولكنهم يزدرون الناقدين الغربيين، الذين يرى المصريون فيهم شخصيات ساذجة تماماً لا تفهم حقيقة التهديد الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين للديمقراطية.
إن علينا أن نؤيد الحكومة الجديدة في مصر في عملها على ضمان الاستقرار هناك، وأن نهيب بالجميع، بمن فيهم جماعة الإخوان المسلمين، مغادرة الشارع وترك عملية صحيحة وقصيرة المدى تفضي إلى الانتخابات. وينبغي صياغة دستور جديد يحكم حقوق الأقليات والقيم الأساسية للبلاد.
