تبرز حاليا أميركتان مختلفتان تمام الاختلاف، وواشنطن لا تقسمها حروب بين الأثرياء والأغنياء، أو بين الرجال والنساء، أو بين البيض وغير البيض، وإنما هناك عالم من الواقع في مواجهة عالم من التفاهة.
في سهول داكوتا والغرب الأميركي، يستخرج آلاف من الرجال والنساء من كل الطبقات والألوان النفط والغاز من الصخور لإيجاد طاقة جديدة للملايين من ملاك المنازل والمتنقلين بين المدن والضواحي، بينما يعطون أميركا فرصة ثانية في الاستقلال الاستراتيجي في ميدان الطاقة.
ومع ذلك، فإن المستفيدين بنتاج هذا كله غالبا ما يتجاهلون تلك الجهود. وبدلا من التركيز على مساندتها ودعم القائمين عليها، فإنهم يركزون على الممارسات المبتذلة لبعض النخب السياسية. وعلى بعد 7000 ميل من أميركا لا يزال الآلاف من الجنود الأميركيين من كل الأجناس والأعمار والطبقات يقاتلون في ظروف بالغة الضراوة ضد طالبان.
وذلك لكي يعطوا للملايين من الأفغان الفرصة للحصول على نظام آخر غير النظام الدكتاتوري العائد للقرون الوسطى ولردع الإرهابيين. وفي غضون ذلك لا تنشغل أميركا بمثل هذه الصراعات الوجودية، وإنما بقصص أقرب إلى الميلودراما العرقية، مثل تحويل أوبرا وينفري إلى ضحية للتمييز العرقي في احد متاجر سويسرا عندما كنت تستفسر عن حقيبة يبلغ ثمنها 38 ألف دولار مصنوعة من جلد التمساح.
وفي نهاية عامين من جفاف قياسي في كاليفورنيا، يعلق مصير مئات الآلاف من الأفدنة من أراضي المزارع التي تغذي ملايين الأميركيين وتجلب مليارات الدولارات من العملة الصعبة ذات الأهمية البالغة- يعلق على الشتاء الحافل بالجليد في جبال سيرا نيفادا. وبدلا من مناقشة هذه القضية الجوهرية والتخطيط لسدود وقنوات جديدة، فإن المشرعين ينهمكون في نقاشات لا تنتهي حول إذا ما إذا كان المقيمون في الولاية لا بد لهم من الحصول على تصريح لشراء الذخيرة من عدمه.
إن الدور التاريخي للحكومة في أميركا يتغير أمام أعيننا. والرئيس الأميركي باراك أوباما يطرح الحجة القائلة بأن الفرع التنفيذي من السلطة يمكنه أن ينتقي ويختار القوانين التي يتعين تنفيذها بإخلاص سواء كانت قوانين الرعاية الصحية أو الهجرة أو غيرها، وتلك التي لا ينظر إليها بالعين نفسها.
لماذا أصبحت أميركا مستهلكة بالأشياء التافهة ، بينما تتعثر وهي تواجه ما هو مهم وجوهري؟
لقد أصبحت أميركا أمة الاتصالات الإلكترونية الفورية- تويتر، فيسبوك، الهواتف النقالة والإنترنت- وذلك في الوقت الذي تتردى فيه درجات القراءة والرياضيات في المدارس الأميركية وتشهر الصحف والمجلات إفلاسها. إننا بمقدورنا أن نوصل المعلومات بسرعة الضوء ولكننا نواجه متاعب في العثور على أي شيء له معناه نتبادله فيما بيننا.
