في العامين ونصف العام اللذين انقضيا منذ اندلاع الاحتجاجات ضد طغيان الرئيس السوري بشار الأسد، برهن الرئيس السوري على قدرته على ارتكاب قدر من الفظائع لا يمكن تخيله للاحتفاظ بالسلطة المطلقة، وقد قتل ما يزيد على 100 ألف شخص في العنفا لذي قرر أن يطلق له العنان وفضله على التفاوض مع المعارضة لسورية.
ويبدو الآن بجلاء أن هؤلاء الضحايا من بينهم المئات ممن قتلوا في هجمات بالأسلحة الكيميائية، وقد أكدت صور فيديو ملتقطة النطاق المرعب لنتائج هذه الهجمات، الأمر الذي يؤكد أن هذا الصراع الوحشي قد تعمق إلى مستوى من المعاناة لا مثيل لها في تاريخ ما بعد الحرب. وهذه الصور ينبغي التحقيق بشأنها بشكل عاجل، غير أن الصعوبة المتعلقة بإثبات الحقائق في هذه القضية تظهر مدى عجز الجهود الدولية المبذولة لكبح جماح الحرب التي يشنها الأسد على شعبه.
وتظهر أشرطة الفيديو الملتقطة لهذه المذبحة صفوفا من الجثث في مستشفيات مؤقتة، والمرعب أن بعضها جثث بالفعل، بينما هناك آخرون يكافحون لالتقاط أنفاسهم ومن بينهم عشرات من الأطفال.
دليل قائم
ويقول خبراء الأسلحة إن الأعراض البادية على الجثث والمرضى تؤكد أنهم تعرضوا لهجوم كيميائي. وللوهلة الأولى لا تبدو في الجثث والمرضى، على حد سواء، آثار جراح عضوية، لأن الضرر فيما يبدو لحق بأجهزتهم التنفسية، وأولئك الذين لا يزالون يتشبثون بالحياة يناضلون من أجل التقاط أنفاسهم. وبؤبؤ عيونهم متوسع. وهذه مشاهد من المستحيل اصطناعها، فالدليل على ارتكاب جريمة وحشية قائم ويفرض نفسه.
وتذهب جماعات المعارضة السورية إلى القول إن قوات الأسد والشبيحة قد أطلقت صواريخ أرض أرض على المناطق التي يسيطر عليها السنة في ضواحي عين ترما وزملكا وجوبر في منطقة الغوطة قرب دمشق، وهي تقول إن هذه الأسلحة قد احتوت على غازات الأعصاب وقتلت عدة مئات من الأشخاص. واستنكرت وكالة الأنباء الرسمية السورية على نحو يمكن التنبؤ به، الاتهامات الموجهة إلى قوات ألأسد بارتكاب هذه الجريمة.
وقالت إنه لا أساس لهذه الاتهامات من الصحة. غير أن أوضح اعتراض على استنتاج أن نظام الأسد قد ارتكب بالفعل هذه الجرائم التي تنتمي إلى عالم الحروب الكيميائية، يتبين أنه اعتراض لا يمكن الدفاع عنه.
إذا كانت هذه المذبحة قد وقعت بالكيفية التي تؤكدها جماعات المعارضة، فإن ذلك يعني أن نظام الأسد قد ارتكبها في الوقت الذي كان فريق تابع للأم المتحدة يضم 20 شخصا يزور سوريا للتحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا. أهذا ممكن حقا؟
سمات الصراع
استنادا إلى الأدلة المتعلقة بالسلوك السابق للنظام السوري، فإن هذا الأمر ممكن على نحو مأساوي فظيع، فالمذابح التي تعرض لها المدنيون على يد قوات الأسد والشبيحة يشكل سمة من سمات هذا الصراع. وقد بادر النظام إلى نفي مسؤوليته عن مذبحة الحولة التي راح ضحيتها أكثر من 100 مدني في مايو العام الماضي على سبيل المثال، ومع ذلك فقد خلص محققو الأمم المتحدة إلى أن ميليشيات الأسد كانت هي المسؤولة عن تلك المذبحة.
وبسبب إصرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على عرقلة الدبلوماسية الغربية، فقد تمكن الأسد من التفاوض حول شروط بعثة الأمم المتحدة، وعلى الرغم من أن المفتشين موجودون في سوريا، إلا أن حرية تحركهم مقيدة بصورة قاسية.
فالأسد يرتكب أعمال قمع وحشية لأنه يعرف أن بمقدوره القيام بذلك، ووضعه يمكن أن يقارن بوضع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، الذي امتدت حملة القتل التي شنها ضد أكراد العراق إلى الهجوم الكيميائي سيئ الصيت على حلبجة قبل 25 عاما.
والطغاة الذين يعرفون أن تكاليف وحشيتهم سيتحملها ضحاياهم ولن يتحملوها هم أنفسهم، يفتقرون إلى أي ضوابط ذاتية، ومن هنا فقد تصاعدت الحرب السورية باتجاه كارثة دموية، ولا بد لمجلس الأمن أن يبادر بطلب الوصول الفوري إلى منطقة الغوطة ليتاح لمفتشيه تفقد الوضع هناك، وإذا لم يلب مطلب مجلس الأمن، فإن نظام الرئيس الأسد سيكون بذلك قد أكد ارتكابه لمذبحة وحشية تهدد المنطقة بأسرها.
