سوريا كابوس حي، فيما تحوم مصر حول حافة الهاوية. لكن كما تظهر الإنفراجة الأخيرة في عملية السلام في الشرق الأوسط، فإنه توجد مؤشرات للتفاؤل. وتحت كل هذا الاضطراب، فإن المشكلات الأساسية في المنطقة قد طفت على السطح أخيراً بطريقة تتيح مواجهتها والتغلب عليها، على الرغم من أن قول هذا يعد أمراً منافياً للحدس.
ولا أحد يضع فرص إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط أبعد من مستوى الحد الأدنى. لكن أخيراً، حدث ما وقع أخيراً في واشنطن، ليس محادثات بشأن المحادثات، بل انبعاث كامل لمفاوضات الوضع النهائي مع تعهد الطرفين بالبقاء في العملية لمدة تسعة أشهر على أقل تقدير.
تحولات مهمة
وفي اليمن، على عكس كل التوقعات، تمر البلاد بعملية تحول سياسي، مع قيام 500 مندوب من كل أنحاء المجتمع، بالعمل على خطط من أجل الديمقراطية والعدالة والمساواة. وفي العراق، بعد سنوات مع تراجع العنف الطائفي، فإن أرقام الإصابات في ارتفاع مجدداً، وهذا يعود في جانب منه للحرب في سوريا. لكن حتى هناك، ظهر أخيراً تصريح مبدع من النجف لـ علي السيستاني يعلن فيه ضرورة إقامة دولة مدنية لا دينية.
وليبيا وتونس في وضع بعيد عن الاستقرار، كما يظهر من خلال اغتيال السياسي البارز في المعارضة التونسية أخيراً، وانتشار ميليشيات منفلتة من عقالها في المدن والبلدات الليبية. لكن الديمقراطيين لا يستسلمون هناك. وبلدان مثل نيجيريا عانت بشكل فظيع من الإرهاب على أساس التطرف الديني الغريب عن مجتمعها. لكنها على الرغم من كل ذلك، تشهد نمواً اقتصادياً سريعاً، وقد أجرت إصلاحاً كبيراً في قطاع الطاقة، وهو أمر كان يعتقد أنه مستحيل منذ وقت قصير.
ومصر يمكن أن تلتف عائدة نحو الديمقراطية، مع وضع دستور شامل حقاً ومدار بشكل موضوعي. وهناك وعد الانتخابات بحلول بداية عام 2014 وكل الأطراف، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، يمكن أن تشارك، أو أن تصبح مشلولة غير قادرة على المضي قدماً وتصحيح الوضع الاقتصادي المتردي وإعادة النظام، الذي من دونه لا يمكن التقدم إلى الأمام. لكن الانقسامات الحاصلة في مصر تظهر صحوة أعمق في المنطقة لها أهمية خاصة.
والدروس بشأن الحكومة والحكم والديمقراطية التي استغرق تعلمها قروناً في الغرب، يجري تعلمها الآن بسرعة استثنائية. ومن الواضح الآن أن الوضع الراهن في المنطقة لن يصمد. والخيار هو بين التطور والثورة.
التطور أم الثورة
والتطور هو المفضل بالتأكيد إذا كان بالإمكان بلوغه. وهناك إقرار في المنطقة بأن التغيير من الأفضل أن يرافقه استقرار، وأن الديمقراطية لا تعمل إلا إذا كان النقاش يجري في أجواء معقولة.
كما هناك قبول متنام بأن الحرية الدينية جزء ضروري من المجتمعات الحرة والمنفتحة. والنقاش حول مكانة الدين في الحكم والمجتمع مفتوح الآن على مصراعيه. وهذا أمر مهم جداً وصحي.
كذلك، الاقتصادات المغلقة لا تناسب المجتمعات المنفتحة. والحاجة إلى الإصلاح الاقتصادي من أجل تأمين الوظائف يشكل أمراً مطلقاً. ووجود قطاع خاص يقوم بوظائفه، ونظام تعليمي يعلم الشباب من أجل عالم هو اليوم أكثر ترابطاً، يعدان شرطين مسبقين للتقدم.
وقضية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قضية بالغة الأهمية لجميع تلك الأسباب الواضحة. وتشكل أيضاً اختباراً لقدرة المنطقة على بناء مستقبل مختلف وأفضل حالاً. لكن ما جرى أخيراً على هذا الصعيد ما كان ممكناً من دون المشاركة الكاملة للولايات المتحدة وغيرها من الشركاء الدوليين. وهذا هو الدرس الذي ينبغي وضعه في الاعتبار، فيما تتفسخ سوريا أمام أعيننا.
وبمقدار ما نرغب في النظر بعيداً، فإن عواقب ترك سفك الدماء في سوريا يأخذ المسار الذي يمكن أن يتخذه، سيكون كارثياً للغاية للمنطقة ولأمننا.
الحادي عشر من سبتمبر، والعراق، والثورات العربية وانتشار الإرهاب على أساس التطرف الديني، بالتأكيد يمكننا البدء في رؤية المواضيع المشتركة في كل هذا. أحدها يتمثل في كيفية بزوغ الدول بعد سنوات من القمع من أجل بناء مؤسسات قادرة على مخاطبة احتياجات العالم الحديث. والأخرى، ترتبط بها بوضوح، وهي كيفية تحديد الدول ذات الأغلبية المسلمة لمكانة الدين في المجتمع السياسي.
