منذ ثورة تونس في 2011، وجهت أعداد لا حصر لها من الخبراء النصح إليها فيما يتعلق بكل شيء ، بدءا من بناء الاجماع الشعبي وانتهاء بصياغة قواعد الانتخابات. ويبدو أن البلد الذي اندلعت فيه شرارة الربيع العربي يوضح لباقي المنطقة ما الذي يمكن أن تبدو عليه الديمقراطية التي تحقق أغراضها. ولكن التطورات التي شهدتها مصر والاغتيال السياسي الثاني في صفوف المعارضة التونسية أخرجا تونس من مسارها.

ألهمت الإطاحة بالرئيس المصري المعزول محمد مرسي بعض الشباب التونسيين، الذين لم يشعروا بالرضا عن حكومتهم الإسلامية، أن يشكلوا حركة موازية لحركة تمرد المصرية تستهدف إسقاط الحكومة التونسية، وشجعهم على المضي في ذلك اغتيال محمد البراهمي رئيس حزب الشعب اليساري الذي لقي مصرعه في 25 يوليو الماضي، حيث اقترب منه رجلان يستقلان دراجة نارية خارج منزله في ضواحي العاصمة التونسية وأطلقا عليه 14 رصاصة.

لم تكن العين لتخطئ التشابه بين هذا الحادث وبين اغتيال شكري بلعيد زعيم إحدى الجماعات اليسارية الأخرى في 6 فبراير الماضي، وقد كان كلا الرجلين من متصدري منتقدي التيار الإسلامي السياسي.

يقول وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدو إنه من المعتقد أن سلاحا واحدا قد استخدم في جريمتي الاغتيال كلتيهما، ويبدو أن الشرطة تطارد ثمانية مشتبه بهم، ربما تكون لهم صلات بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، وهي جماعة متطرفة ناشطة في غرب شمال إفريقيا.

وقد تساءل التونسيون عن السر في أن الشرطة إذا كانت لديها قائمة بالمشتبه بهم لم تستطع إحباط عملية الاغتيال الثانية قبل وقوعها، وقد انضم حزب نداء تونس المعارض الذي يتولى قيادته السياسي المخضرم الباجي قائد السبسي إلى الاتحاد التونسي للشغل في اتهام حزب النهضة الإسلامي الحاكم بأنه يقف موقفا سلبيا حيال عنف المتطرفين. ويبدو جدل حزب النهضة، بأن الانتقال إلى الديمقراطية صعب المخاض، دائما قولا خاويا من المعنى بصورة متزايدة.

وفي غضون أيام ، استقال 60 عضوا من أعضاء الجمعية الدستورية المنتخبة في 2011 البالغ عددهم 217 عضوا ودعوا إلى تشكيل حكومة جديدة تتولى رئاستها شخصية غير حزبية. وتجمع الألوف من المتظاهرين المناوئين للحكومة خارج مبنى الجمعية في العاصمة التونسية، وبادرت الشرطة إلى الفصل بينهم وبين مؤيدي حزب النهضة. وعلى الرغم من تأكيدات بن جدو أنه لن يتم الفتك بالمحتجين السلميين فإن الشرطة لم تتردد في استخدام الغاز المسيل للدموع والهراوات ضد هؤلاء المتظاهرين.

وخلافا لمصر ، فإن قلة من المحتجين من شأنهم أن يرحبوا بحكومة تحظى برعاية المؤسسة العسكرية كما حدث في مصر. ويتعرض قادة الأحزاب لضغوط من أجل التفاوض حول صفقة تبقي العملية السياسية في مسارها.

وفي غضون ذلك، وكأنما لزيادة التوتر في تونس، قتل ثمانية جنود تونسيين في منطقة جبل غامبي قرب الحدود مع الجزائر، والتي تعد معقلا للمتشددين. وسوف يحتاج السياسيون التونسيون إلى استخدام كل مهاراتهم في بناء الإجماع في المرحلة المقبلة.

 

انقلاب محتمل

قال رئيس الوزراء التونسي علي العريضي في إيماءة إلى متآمرين في انقلاب محتمل إن من تم انتخابهم هم وحدهم الذين يمكنهم المطالبة بالحديث باسم الشعب التونسي ورفض تقديم استقالته مؤكدا أن الانتخابات العامة ستجري في سبتمبر المقبل، وقال في محادثات بين الأحزاب التي جرت أخيرا، إنه على استعداد لقبول حكومة وحدة وطنية، لكنه رفض قبول حل الجمعية الدستورية.