قد تؤدي العملية الانتخابية إلى الدكتاتورية، لكن نادراً ما يشكل انقلاب عسكري أساساً للديمقراطية، وتنهيدة الارتياح المسموعة من بلدان عدة بعد "الانقلاب العسكري" في مصر كانت معيبة وقصيرة النظر. وفي هذه الأثناء، اغتيل زعيم علماني في المعارضة في تونس، وفي سوريا تزداد المعارك مع المعارضة عنفاً، كما تزداد حالة الاستقطاب حدة في مختلف أنحاء العالم العربي، وتدمر الآمال التي أوجدها الربيع العربي، والغرب بحاجة ماسة إلى أن يعيد النظر في استراتيجيته تجاه المنطقة.

ثلاثة افتراضات

دعونا نبدأ مع ثلاثة افتراضات: أولها أن الشرق الأوسط لن يفلت من التوجه العالمي طويل الأمد نحو تحقيق قدر أكبر من المساءلة الديمقراطية.

ثانياً، على الرغم من القمع الشديد، فإن جماعة الإخوان المسلمين، بمعزل عن الشكوك التي تحيط بها على صعيد الممارسة والفكر، كانت حركة سياسية مهمة في العديد من الدول العربية على مدى عقود. ومن باب التمني توقع تلاشيها فجأة.

ثالثاً، تعتمد السياسة الديمقراطية على الأحزاب السياسية التي تدخل في منافسة علنية من أجل الحصول على الأصوات. ومشاركة جماعة الإخوان المسلمين في المنافسة السياسية خطوة أولى مهمة للتوفيق بين الإسلام والسياسة الديمقراطية. والنهاية المفاجئة للجماعة في مصر قد تدفع بها مرة أخرى إلى العمل السري ليس إلا، أو تقوي حركات أكثر تطرفاً لم تقبل مطلقاً بمبدأ الشرعية الديمقراطية في المقام الأول.

ومن خلال تجاهل تلك النقاط الثلاث الأساسية، فإن الغرب الذي لم يتمتع يوماً بسمعة طيبة في المنطقة يؤكد شكوك سكانها، ويخسر نفوذ القوة الناعمة، ويراهن على تحالف استراتيجي قد لا يدوم يعتمد على القوة الصلبة.

وكثيرون في المنطقة يعتقدون أن أجندة الغرب الحقيقية ليست حول الديمقراطية والعدالة، إنما حول موارد الطاقة المستقرة، ومكافحة الإرهاب وأمن إسرائيل. واستناداً إلى وجهة النظر تلك، فإننا لا نبذل المزيد من الجهد في سوريا، لأن سوريا لا تملك نفطاً كالذي تملكه ليبيا. وما نبذله من جهد قليل يتعلق بمصالح إقليمية أكثر مما يتعلق بالقتال من أجل الديمقراطية.

الدرس المصري

وفي هذه الأثناء، فإن الدرس المصري لم يفت على الرئيس السوري بشار الأسد ومؤيديه، الذين تتعزز وجهة نظرهم بأن انتقاد الغرب للطبيعة الدكتاتورية للنظام مجرد ذريعة في لعبة جيوسياسية لا علاقة لها تذكر بالديمقراطية وحقوق الإنسان. ولا يفوت هذا الدرس المصري أيضاً على تلك الحركات الإسلامية في المعارضة السورية التي تضم المقاتلين الأكثر قوة وفعالية، حيث أكد وجهة نظرهم بأنهم يحتاجون إلى إجهاض أي عملية انتخابية في مرحلة ما بعد الأسد.

وفي النهاية، التطرف هو نتاج الظلم والفساد وسوء المعاملة. والانقلابات، والدعوات المتنافسة لتعبئة الناس في الشوارع أديا أصلاً إلى المزيد من سفك الدماء. ولا يمكن أن يكون هذا هو الرد.

لكن مع ذلك، المغريات أمام الدول الغربية للتخلي عن المنطقة وصرف النظر عنها كبيرة. ففي النهاية، سيزعم البعض أن حل ما هو في صميمه صراع لاستيعاب الإسلام والدولة الحديثة لا يعود للغرب.

وهذا سيكون من باب خطأ. فالغرب لديه مصلحة قوية في استقرار مصر، وما يحدث في مصر سوف يتردد صداه في جميع أنحاء المنطقة.

ومن دون قاعدة عريضة من الشرعية، فإنه لن تكون هناك حكومة قادرة على إجراء إصلاحات واسعة النطاق هناك حاجة ماسة إليها في مصر وأماكن أخرى، لتحقيق العدالة والتنمية.

وكانت هذه إحدى مشكلات الرئيس المخلوع محمد مرسي، وستكون مشكلة خلفه. ولا يمكن لأي تحديث أن ينجح إذا ما احتكر الإسلام السياسي السلطة، لكن لا يمكن للتحديث أن يدوم إذا تم استبعاد الإسلام السياسي من المنافسة الديمقراطية.

نفوذ محدود

 

للجهات الخارجية نفوذ محدود في المنطقة، ويتعين عليها أن تحذر في عدم المبالغة في توكيد سيطرتها، لكن يتعين عليها أيضاً بذل جهد أكبر على صعيد معارضة سياسة الإقصاء في المنطقة.

وعملية تفتيت المنطقة يجب إيقافها قبل فوات الأوان، فقد دمرت سوريا بالفعل، ويمكنها أن تحصد المزيد من الضحايا.