تحتل بلغاريا عناوين الصحف العالمية، هذه الأيام، ولأسباب لا تدعو للبهجة. فعلى مدى 45 يوماً ويزيد، كانت هناك احتجاجات يومية بمئات الألوف من الأشخاص ضد الحكومة. والمحتجون حاصروا البرلمان فيما كان يعقد إحدى جلساته. وعبثاً حاولت الشرطة اختراق الحواجز، فسببت الأذى لبعض المحتجين، وعملت على زيادة صفوفهم. وهذه التظاهرات هي الأطول أمداً منذ فجر الديمقراطية في عام 1990.
وقد يقول من هم في الخارج إن الاحتجاجات المناوئة للحكومة أمر مألوف في أوروبا، هذه الأيام، لكن احتجاجات بلغاريا ليست من نوع الاحتجاجات الشائعة المضادة للتقشف.
فالوضع المالي في بلغاريا سليم. واستنادا إلى "يوروستات"، كانت البلاد في عام 2012 تحتل المرتبة الأدنى في نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي، وذلك عند معدل 17%، والرابعة في نسبة عجز الميزانية 0.6%.
وفي بلغاريا، فإن شد الأحزمة يعد أمرا من الماضي، فالحد الأدنى للأجور ازداد بنسبة 30% في السنتين الماضيتين، كما ازدادت معاشات التقاعد بنسبة 10% في أبريل. لماذا إذاً ينزل البلغاريون إلى الشوارع؟ إنهم يرغبون في أن تصبح بلغاريا بلادا طبيعية، ولقد ضاقوا ذرعا بالشعور كما لو كانوا أوروبيين من الدرجة الثانية.
توقعات مرتفعة
وفي استطلاعات الرأي التابعة لـ "يورو بارومتر" والصادرة أخيرا، يقول 51% من البلغاريين إنهم لا يشعرون بأنهم مواطنون في الاتحاد الأوروبي. وكانت بلادهم قد انضمت إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2007 بتوقعات مرتفعة جدا.
لكن الأمور لم تسر وفق توقعاتهم. فقد ازدادت الاستثمارات وزادت معها المداخيل، لكن ليس بمقدار ما أمل الناس. ومنذ بداية الانتقال إلى الديمقراطية، ازداد متوسط العمر سبع سنوات بسبب مضاعفة ميزانية الرعاية الصحية والتخلي السريع عن التدخين. والأموال القادمة من بروكسل إلى صوفيا أدت إلى تشييد البنى التحتية، لا سيما في فترة الحكومة السابقة، بقيادة بويكو بوريسوف، التي خدمت فيها بصفتي نائب رئيس الوزراء ووزير المالية. لكن بقايا الحقبة الشيوعية لا زالت منتشرة في كل مكان في بلغاريا، مما يمنع بسط شكل الحياة الطبيعية.
إصلاحات جريئة
وهناك إصلاحات جريئة ثلاثة مطلوبة في سبيل زيادة احترام السياسيين البلغاريين من جانب ناخبيهم.
أولًا، إصلاح شامل للأجهزة الأمنية للدولة، بما في ذلك الحد من تدخل أعضائها السابقين في الحياة العامة. وفيما فككت دول أوروبا الشرقية الأخرى على وجه السرعة الشرطة السرية من الحقبة الشيوعية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، فإن الحكومات في بلغاريا لم ترغب أو تتمكن من القيام بذلك. وحكومة بوريسوف مشطت الجهاز الدبلوماسي من أعضاء الشرطة السرية السابقين، لكن جهوداً أوسع نطاقا واجهت عقبات في البرلمان أو المحاكم.
ثانياً، إصلاح قطاع الطاقة. وحكومة بلغاريا تحتاج إلى تحرير هذا القطاع الذي تهيمن عليه مؤسسات حكومية مدارة بشكل سيئ.
ثالثاً، إصلاح التعليم الجامعي. فقد وجد استطلاع أجري أخيرا بالنيابة عن وزارة التعليم أن 52% من خريجي المرحلة العليا قدموا طلبات لجامعات في الخارج. ونظام أفضل لتمويل المؤسسات التعليمية يمكنه المساعدة في تحسين المعايير في مجال التعليم الجامعي.
والموارد التي تبدد حاليا على الأجهزة الأمنية وفي قطاع الطاقة يمكن إعادة توجيهها نحو تحسين التعليم، الذي من شأنه أن يجعل جمهور الناخبين اكثر استنارة في الانتخابات المقبلة. وهذا من شأنه أن يعطي السياسيين البلغاريين شيئا يشعرون بالقلق حياله فعلاً.
* نائب رئيس الوزراء وزير المالية البلغاري السابق
التغيير المطلوب
يبقى أن نرى إلى متى يمكن للحكومة البلغارية بقيادة رئيس الوزراء بلامن اوراشارسكي، أن تبقى في السلطة. ويبدو تمتعها بفترة مديدة أمرا غير مرجح، لكن من سيأتي إلى السلطة لاحقا سيواجه الإحباطات نفسها. وهناك ثلاثة إصلاحات جريئة مطلوبة في سبيل زيادة احترام السياسيين البلغاريين بين الناخبين، وهي الحد من دور الأجهزة الأمنية في الحياة العامة، وإصلاح قطاعي الطاقة والتعليم الجامعي.
