تضع ثورة مصر الثانية في أقل من ثلاث سنوات البلاد في مسيرة كفاح من أجل تحديد هوية وطنية مرة أخرى. على السطح، هذا يعني كتابة دستور جديد، وإجراء المزيد من الانتخابات، وربما المرور بمزيد من الاحتجاجات. أما تحت السطح فإن ثورة أخرى لتحديد الهوية تمضي على قدم وساق.

بسمة الحسيني، وهي ناشطة بارزة في مجال الفنون، تدعي أن مصر شهدت انفجاراً للنشاطات الثقافية منذ عام 2011، وأن الإطاحة بالدكتاتور الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك رفع كثيراً من القيود على حرية التعبير، ما أدى إلى ازدهار الاهتمام بالموسيقى والرقص والشعر وتحديداً الفكاهة.

ومجموعتها التي تدعى «المورد الثقافي» هي منظمة ثقافية غير حكومية يندر وجودها في الأمة العربية، وهي تستخدم الفن في المجتمعات المحلية لحل الأزمات. فقد قامت على سبيل المثال برفع لافتات في القاهرة تعلن «من حقي أن أرقص» و«من حقي أن أغني».

تعد على الفنون

وشهدت مصر منذ عام 2011 ما لا يقل عن ستة وزراء للثقافة. والوزير الأخير للثقافة تحت حكم الرئيس المصري السابق محمد مرسي حاول إعادة توجيه الثقافة المصرية، من خلال طرد رؤساء دار الأوبرا المصرية في القاهرة، والهيئة المصرية العامة للكتاب، وقطاع الفنون الجميلة، والمكتبة الوطنية والأرشيف. وهذه التحركات في مايو الماضي أدت إلى اعتصام احتجاجي من قبل ممثلين وفنانين ومثقفين بارزين. وقد قام مؤيدون لجماعة الإخوان المسلمين بمهاجمة المحتجين بعد ذلك في يونيو.

وكان هذا فعلاً على سبيل التحمية استعداداً للاحتجاجات الجماهيرية في 30 يونيو، التي أدت إلى تنحية مرسي، وإنهاء التكتيكات غير الديمقراطية الزاحفة لجماعة الإخوان المسلمين.

الفنانون والمثقفون الآن أصبحوا أكثر نشاطاً، في سعيهم لحماية حريتهم الجديدة، من العسكر والإخوان. ويريدون من المصريين أن يروا الثقافة بوصفها وسيلة للمصالحة السياسية، وفي الوقت نفسه استعادة القاهرة موقعها كعاصمة ثقافية للعالم العربي.

لمحة سحرية

وكان العرب قد التقطوا لمحة سحرية موحدة للثقافة في يونيو الماضي خلال بث النتائج النهائية للبرنامج التلفزيوني «آراب أيدول» على مستوى المنطقة. والمغنون المتنافسون غنوا بصوت عال أغاني من الفيلم الموسيقي «البؤساء» مثل «هل تسمع غناء الناس» و«لدي حلم»، وعندما فاز مغن من غزة، انطلق الفلسطينيون خارج منازلهم إلى الشوارع فرحين، وتوحد شعب منقسم على نفسه لوهلة قصيرة.

والأمر الأكثر روعة مناشدة الفائز المتوج محمد عساف ارتجالياً الناس التخلي عن العنف.

وفي أفضل الأحوال، تساعد التعبيرات الفنية الناس في تقدير إنسانية بعضهم، وهي كالأوتار الموسيقية، يمكنها أن تقلص التوترات، وكالأشعار يمكنها أن تمنح التعاطف والفرح. كما يمكنها أن تجعل متضادين في حالة وئام، كرقصة من شخصين.

وبعد أن خاضت مصر ثورتين سياسيتين منذ عام 2011، فإنها تحتاج الآن إلى التركيز على ثورتها الثقافية الأقل وضوحاً. وفيما يحدد الدستور العقد السياسي للبلاد ويعرفه، تعرف الثقافة الهوية والسرد التاريخي ومستقبل الناس.

قد يستغرق هذا الأمر بعض الوقت، لكن الأهرامات لم يتم بناؤها في يوم واحد كذلك.

 

صراعات الهوية

الثقافة في معظم الأحيان لديها تأثير توحيدي في صراعات الهوية. وعلى عكس قضايا إدارة الحكم والأمن والاقتصاد، فإن الثقافة هي في العادة بيد الشعب. ويكون هؤلاء إما المبدعين وإما الجمهور، ولهذا السبب تكون الأنظمة الاستبدادية، سواء العلمانية منها أو الدينية، تواقة في معظم الأحيان لقمع الثقافة أو التحكم بها.