عندما التقى الرئيس الأميركي باراك أوباما بنظيره الصيني شي جينبينغ في "قمة الأكمام القصيرة" في كاليفورنيا، أخيرا، كانت كوريا الشمالية موضوعا رئيسيا في المباحثات، وهذا الموضوع لم يكن جديدا، لكن نغمة الحديث هذه المرة كانت كذلك.

ومنذ أكثر من عقدين من الزمن، رصدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية كوريا الشمالية وهي تنتهك اتفاق الضمانات الذي أبرمته وتعيد معالجة البلوتونيوم. وبعد تخليها عن "الاطار اللاحق المتفق عليه" عام 2003، طردت كوريا الشمالية مفتشي الوكالة، وانسحبت من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وأجرت تفجيرا لثلاث قنابل نووية، إلى جانب مجموعة متنوعة من الاختبارات الصاروخية.

وخلال هذين العقدين، ناقش مسؤولون أميركيون وصينيون مرارا تصرفات كوريا الشمالية. وكان الصينيون يقولون باستمرار إنهم لا يرغبون بتطوير كوريا الشمالية سلاحا نوويا، لكنهم ادعوا أيضا أن لديهم تأثيرا محدودا على النظام في بيونغيانغ، على الرغم من أن الصين هي المزود الرئيسي لكوريا الشمالية بالغذاء والوقود.

القلق الأساسي

والصين كانت صادقة في التعبير عن رغبتها بشبه جزيرة كورية خالية من الأسلحة النووية، لكن القضية النووية لم تكن قلقها الأساسي. فقد سعت أيضا إلى منع انهيار نظام كوريا الشمالية واحتمالات الفوضى الناشئة عن ذلك على حدودها، ليس فقط لجهة تدفق اللاجئين، وإنما أيضا لجهة احتمال تحرك قوات كوريا الجنوبية والقوات الأميركية إلى داخل أراضي كوريا الشمالية.

والصين الممزقة بين هذين الهدفين، وضعت الأولوية القصوى في الحفاظ على عائلة كيم. وهذا الخيار أدى إلى نشوء مفارقة: فقد كسبت كوريا الشمالية نفوذا قويا مذهلا على الصين.

وقادة كوريا الشمالية يعلمون أن القوات العسكرية الكورية الجنوبية والأميركية المتفوقة ستفوز في أي صراع عسكري شامل، لكنهم يعملون أيضا أن بإمكانهم أن يعيثوا فسادا في اقتصاد كوريا الجنوبية، في ظل وجود 15 ألف قطعة مدفعية في المنطقة منزوعة السلاح على بعد 48 كم فقط شمال سيؤول، في حين أن لديهم أقل ليخسروه نسبيا.

وكوريا الشمالية كانت بارعة في التباهي باستعدادها للمجازفة منذ فترة طويلة، فقد أثارت أزمة في عام 2010 بإغراقها سفينة تابعة لبحرية كوريا الجنوبية وقصف جزيرة تابعة لها. وفي الربيع الماضي، أجرت تجربة نووية وسلسلة من الاختبارات الصاروخية صاحبها سيل من الخطابات العدائية.

الآن يبدو أن الصين بدأ ينفد صبرها، وهي تثق بدرجة أقل بالزعيم الجديد المفتقر للخبرة كيم يونغ أون، مما تثق بأبيه، كيم يونغ إيل. والقادة الصينيون بدأوا أيضا في التعرف على المخاطر التي تفرضها كوريا الشمالية على بلادهم، ذلك أنه مع إجراء المزيد من الاختبارات النووية، يمكن أن تزداد المطالبة بأسلحة نووية في كوريا الجنوبية واليابان.

علاوة على ذلك، إذا ما تلا الخطاب الحاد لنظام كيم في الربيع الماضي استفزازات ضد كوريا الجنوبية كتلك التي حصلت في عام 2010، فانه من الممكن أن ترد كوريا الجنوبية بقوة وأن تنجر الصين إلى الصراع.

علامات تغيير

والدلائل على وجود تغيير في الموقف الصيني مثيرة للاهتمام. ففي أعقاب النقاش "الصريح" بين شي وأوباما حول كوريا الشمالية، استضاف شي قمة مع رئيسة كوريا الجنوبية بارك جيون-هاي، قبل الاجتماع أولا مع الحليفة الرسمية كوريا الشمالية.

وأصدر كل من شي وبارك بيانا مشتركا أعلنا فيها أهمية تطبيق قرارات مجلس الأمن بأمانة، وهي القرارات التي تدعو إلى عقوبات بحق كوريا الشمالية، بالإضافة إلى تطبيق الاتفاق متعدد الأطراف في عام 2005 الذي يلزم كوريا الشمالية بمبادلة برامج أسلحتها النووية لقاء منافع اقتصادية ودبلوماسية. والزعيمان حثا على استئناف المباحثات سداسية الأطراف حول نزع السلاح النووي.

وما سيلي ذلك يبقى أمرا غير مؤكد. فقد خففت كوريا الشمالية لهجتها وتصرفاتها، لكن نظام كيم لم يعط أي إشارة تدل على استعداده للتخلي عن برنامج الأسلحة النووية الذي يعتبره حيويا لأمنه وهيبته. وعلى المدى الطويل، قد يساعد التغير الاقتصادي والاجتماعي على حلحلة الوضع، لكن معضلة الصين تبقى انه إذا ما ضغطت بسرعة كبيرة من أجل الإصلاح، قد ينهار نظام كيم.

وفي مواجهة هذا الاحتمال، يمكن أن تتخذ الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية خطوات لطمأنه الصين بأنهما لن تستغلا مثل هذا الوضع عن طريق تحريك جنودهما إلى حدود الصين. وإيجاد صيغة للتحدث عن مثل تلك الاحتمالات الطارئة قد يكون الخطوة التالية للصين في إطار سعيها للتغلب على مأزقها.

 

القوة في الضعف

لدى كوريا الشمالية ما يمكن أن يطلق عليه "القوة في الضعف". وفي بعض المساومات، قد يكون الضعف والتهديد بالانهيار مصدرين للقوة. لنأخذ مثالا معروفا، فإذا كنا ندين لمصرف بمبلغ ألف دولار، فإن للمصرف سلطة علينا، لكن إذا كنا ندين له بمليار دولار، فإنه قد تكون لدينا قوة كبيرة في المساومة مع المصرف.

والصين بهذا المعنى هي مصرف كوريا الشمالية المكشوف والمعرض للخطر. ونتيجة لذلك، حاولت الصين إقناع كوريا الشمالية باتباع نموذجها بالتوجه إلى السوق، لكن رعب نظام كيم من أن يحث التحرير الاقتصادي في النهاية على مطالبات بمزيد من الحرية السياسية، أبقى تأثير الصين على النظام محدودا.

وكما قال أحد المسؤولين الصينين في احدى المرات في لحظة عفوية: "كوريا الشمالية قامت بخطف سياستنا الخارجية". ولقد ضخمت كوريا الشمالية قوتها من خلال اللعب بجرأة بورقة الخوف.