في بلدة هاجي التي تضم قلعة جدرانها بيضاء من القرون الوسطى في مقاطعة "ياماغوتشي" الغربية في اليابان، ينتصب تمثال صغير من البرونز يُجسّد اقطاعياً، يدعى موتوناري موري، وهو يروي لأبنائه الثلاثة الحكاية الرمزية "الأسهم الثلاثة"، في قصة تهدف لتعليم ذريته، أن إخلاص الواحد للآخر هو أفضل من العداء، وأن سهماً واحداً من السهل كسره، فيما ثلاثة أسهم مجتمعة لا يمكن ثنيها بسهولة.

وهي حكمة استعارها شينزو آبي لوصف سياسته "أبينوميكس"، الأسهم الثلاثة للسياسة النقدية والمالية وسياسة جانب العرض، التي تهدف إلى انعاش الاقتصاد الياباني. وهذا لم يكن كل ما استنتجه رئيس الوزراء الياباني المنحدر من مقاطعة ياماغوتشي. فمعظم إلهامه السياسي يمكن إرجاعه إلى مزيج من النزعة المحافظة العميقة والحماس الإصلاحي لفترة ستينات القرن التاسع عشر، عندما انضمت ياماغوتشي إلى ثلاث إقطاعيات منتفضة أخرى، لإطلاق إصلاح ميجي الذي وضع اليابان على مسار التحديث.

وهذه الأحداث قد تبدو بعيدة جداً عن الانتخابات الأخيرة، حيث أيد الجمهور (من أزعج نفسه بالتصويت) ما قام به آبي في الشهور السبعة الأولى من وجوده في منصبه من خلال إعطاء حزبه، الحزب الليبرالي الديمقراطي، الأغلبية في المجلس الأعلى في البرلمان الياباني، الأمر الذي سيمنح رئيس الوزراء، الذي يسيطر حزبه أصلاً على المجلس النواب، حرية أكبر بكثير في متابعة التشريعات. وهذا يطرح السؤال حول ماهية الدوافع التي تقود آبي.

دوافع آبي

كثير من دوافع آبي يأتي مباشرة من القاعدة السياسية لياماغوتشي المعروفة باسم تشوشو في القرن التاسع عشر، وهناك في تشوشو ولد مفهوم المصلحة الوطنية. وفي أيام الميجي، كان يعني هذا تعلم المهارات التكنولوجية والتنظيمية للغرب في سبيل صد الاستعمار الغربي. في تشوشو أيضاً ناصر شنساكو تاكاسوكي جيشاً محترفاً من خلال استبعاد فكرة أن الساموراي وحده من يحمل السلاح.

لكنه إرث جده، نوبوسوكي كيشي، من سكان ياماغوتشي الأصليين، كان له التأثير الأقوى. وكيشي وصف بأنه مجرم حرب من الدرجة الأولى، لكنه تمكن مع ذلك من أن يصبح رئيساً للوزراء. وبالنسبة لآبي، يمثل جده رمز ذل الهزيمة ونظام "عدالة المنتصر" حسب مصطلحات اليمين الياباني، المفروض على اليابان من قبل الولايات المتحدة. ولهذا السبب يرغب في إعادة كتابة دستور اليابان، بما في ذلك بنوده التي تمنع اليابان من الحصول على جيش، وتقلص دور الإمبراطور إلى رمز عاجز.

لكن الصحافي البارز يوشي فوناباشي يقول: "بغض النظر عن توجهاته الأيديولوجية، والتي هي ليست سراً من أسرار الدولة، فإن آبي شخص واقعي أيضاً". وفي الواقع، فإن العديد من الأشخاص يتوقع أن يستثمر آبي رأسماله السياسي، فيما هو مستمر، في الوفاء بتعهداته الاقتصادية وليس في جدل حول الدستور، مما سيعني إعطاء دفعة لخفض الضرائب على الشركات، والعضوية في الشراكة عبر المحيط الهادئ، ورفع ضريبة الاستهلاك.

واستطلاعات الرأي تشير إلى أن الجمهور يتوق لحكومة مستقرة، وهو ينبذ في الغالب النزعة الرجعية لآبي. والعديد بالتالي يأمل أن يتمكن عنصر آخر من إرثه في ياماغوتشي، وهو التقليد الراسخ في البراغماتية، من التغلب على الأيديولوجية.

القول والفعل

 

يقلق البعض من الجذور الأيديولوجية لرئيس وزراء اليابان شينزو آبي، ويخشى من أن يدفع قدما بأجندة قومية مع حصوله على تفويض أقوى. والبعض يخشى أن يذهب إلى مزار "ياساكوني"، الرمز القومي الياباني المكروه من قبل الصين وكوريا الجنوبية، أو أنه سيعبث بصيغة اعتذار اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. وفيما قال آبي إنه نادم لعدم ذهابه إلى "ياكاسوني" خلال ولايته الأولى، قام في تلك الفترة، في المقابل، بخطوات ملموسة لتحسين علاقات اليابان مع الصين. والصحافي البارز يوشي فوناباشي يقول إنه بغض النظر عن توجهاته الأيديولوجية، فإن آبي شخص واقعي أيضاً.