حتى في بلد مضطرب كما هي الحال في مصر اليوم، فإن بعض التقاليد تتجاوز أكثر الانقسامات حدة، وتوفر فترات قصيرة من الهدوء. وأخيراً، أثناء توجهنا إلى القاهرة رأينا عدداً قليلاً جداً من السيارات. فالناس كانوا في منازلهم مع أسرهم يفطرون بعد صيام امتد طويلاً، ولساعات قليلة ثمينة، كانت المجموعات المتنافسة قد علقت خلافاتها.

التحدي المقبل

والتحدي الذي يواجه مصر هو في جعل هذا الابتعاد عن الاضطراب دائماً. والمسألة الأساسية تكمن في أن طبيعة الانقسامات وعمقها يقفان في طريق التقدم.

والديمقراطية تتطلب فهماً مشتركاً للكيفية التي ينبغي أن تؤخذ بها القرارات الوطنية، وقدراً من الاحترام المتبادل بين أولئك المتنافسين على السلطة، واستعداد الأكثرية لاحترام حقوق الأقلية في أي قضية. وفي مصر اليوم فإن بناء هذا الأمر سوف يستغرق وقتاً طويلاً.

لكن الاتحاد الأوروبي يرغب في مساعدة مصر على تحقيق التقدم. فمصر المستقرة الديمقراطية تشكل أمراً حيوياً، ليس فقط بالنسبة لسكانها البالغ عددهم 84 مليون نسمة، وإنما أيضاً للشرق الأوسط والعالم الأوسع نطاقاً، بما في ذلك أوروبا. ولقد صادفت انعداماً عميقاً للثقة بين المجموعات المختلفة. وبالنسبة للبعض، فإن التغيير الذي حدث أخيراً هو انتفاضة شعبية، بالنسبة لغيرهم هو انقلاب عسكري.

ولاستكشاف كيفية المضي قدماً، التقيت بالجهات الفاعلة الأساسية من كل الأطراف وهم، قادة الحكومة المؤقتة، الشباب من حركة «تمرد»، ممثلون عن حزب الحرية والعدالة، وجماعة الإخوان المسلمين، والمجتمع المدني. وناقشنا آفاق الانتخابات التي ستجري في الأشهر القليلة المقبلة، والدور الذي يمكن أن يقوم به الاتحاد الأوروبي في المساعدة على رصد ومراقبة تلك الانتخابات. كيف يمكن لمصر أن تعود إلى الديمقراطية؟ هناك خطوات ست يبدي الاتحاد الأوروبي استعداده لدعمها:

أولاً، تحتاج مصر إلى عملية سياسية شاملة، كما يحتاج المصريون إلى الشعور بأنهم مشاركون كاملون في ذاك المستقبل العظيم للبلاد. ويجب إشراك أي مجموعة مهمة. فالليبراليون في المناطق الحضرية يستحقون أن يكون لهم قول فيما يجري بقدر أولئك الذين يرغبون بجمع التقاليد الإسلامية مع المبادئ الديمقراطية. كما يتعين على الرجال والنساء المشاركة في مسؤولية الحكومة المدنية. لكن الديمقراطية تتطلب أيضاً بناء للثقة، ومد يد كل طرف للآخر، وقبل كل شيء فهم كل منهم الآخر.

الحكم المدني

ثانياً، تحتاج البلاد إلى دستور يتضمن الضوابط والتوازنات، لضمان احترام حقوق كل المواطنين المصريين. كما تحتاج إلى حكم مدني كامل. ثالثاً، يجب أن ينتهي عنف الأسابيع الأخيرة. فالجدل السياسي لا يمكن حله بالقوة، ولقد فقدت أرواح كثيرة أثناء السعي من أجل الديمقراطية. وروايات التحرش الجنسي أثناء التظاهرات كانت مروعة بصورة خاصة.

رابعاً، يجب أن تنتهي الاعتقالات التعسفية وغيرها من أشكال المضايقات. ومثل هذه الأمور لا مكان لها في مجتمع ديمقراطي. والمعتقلون بمن في ذلك الرئيس المصري السابق محمد مرسي ومساعديه المقربين ينبغي إطلاق سراحهم وأن تجري مراجعة القضايا الجنائية بسرعة وبطريقة شفافة. وبشكل مماثل، تعد وسائل الإعلام الحرة أمراً حيوياً، وينبغي عدم معاقبة الصحافيين بسبب عملهم المهني، وأن تعمل وسائل البث دون عراقيل بسبب مضايقات أو إغلاق تعسفي.

خامساً، يجب أن تجري الانتخابات الحرة في غضون الأشهر القليلة المقبلة في إطار تلك المبادئ. والتوقيت أمر بالغ الأهمية. وهناك حاجة إلى إحراز تقدم كبير في الخطوات الخمس الأولى للانتخابات للخروج ليس فقط بمرشحين فائزين، بل بأسس مستقبل مستقر وديمقراطي.

والاتحاد الأوروبي على استعداد لمساعدة مصر على اتخاذ تلك الخطوات، لكن القرارات يجب أن تكون ملك الشعب المصري، وليس أي جهات خارجية. ولقد اتفقت مع الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور على أن دستوراً حياً يحتاج إلى أكثر من مجرد الكلمات المناسبة، فالديمقراطية العميقة تحتاج سادساً إلى مصالحة وطنية كما إلى المؤسسات المناسبة المستقلة والمحترمة، التي بإمكانها الدفاع عن حقوق الإنسان وسيادة القانون.

 والتقدم ليس حيوياً فحسب، وإنما ملح أيضاً، والجدول الزمني المقدم من قبل الرئيس المؤقت مشجع. ويعود للمصريين وحدهم دفع العملية الانتقالية الديمقراطية قدماً إلى الأمام، ويتعين على المصريين، ليس نحن، أن يحددوا مستقبلهم.

 

التزام أوروبي

تكافح ثقافة الديمقراطية والمؤسسات المستقلة لترسيخ أقدامها في ظل وضع يتسم بأزمة اقتصادية. وفي مصر اليوم السياح خائفون من المجيء، والمستثمرون الأجانب محجمون عن الاستثمار. ولقد أسسنا فريق عمل بين الاتحاد الأوروبي مصر لتعبئة المجتمع الدولي، والقطاع الخاص والمجتمع المدني لدعم الاقتصاد المصري. ومن أجل أن يترك هذا العمل التأثير الحقيقي، فإنه يتعين على مصر العودة إلى الديمقراطية.

فالتقدم السياسي والاقتصادي لا ينفصمان، وهما يشكلان رداً على الدعوة المدوية خلال ثورة يناير 2011 من أجل الكرامة والعدالة الاجتماعية والحياة الكريمة.

والاتحاد الأوروبي شريك طويل الأجل وصديق لمصر. وفي كل نقاش أكدت استمرار دعمنا وصداقتنا. وقد شجعني أن كل مجموعة التقيت بهارحبت بهذا الالتزام.