نزل الشباب إلى الشوارع في كل أنحاء العالم وأصابعهم على هواتفهم الجوالة. والاحتجاجات عندما تحدث في بلدان غير ديمقراطية، أو تعاني من أزمة اقتصادية، يبدو شرحها أسهل منه عندما تبرز في بلدان تحظى بحكومات ديمقراطية شعبية مثل البرازيل، التي تتمتع حاليا بأدنى مستوى للبطالة في تاريخها، وبتوسع غير مسبوق في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ويعزو عدد كبير من المحللين الاحتجاجات الأخيرة إلى رفض السياسة. لكنني أعتقد على العكس تماما، بأنها تمثل دفعة لتوسيع مجال الديمقراطية، وتشجيع الناس للمشاركة بشكل أكبر. وأعتقد أن التظاهرات في البرازيل هي إلى حد بعيد نتاج النجاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
في العقد الماضي، ضاعفت البرازيل أعداد الطلاب الجامعيين، وخفضت كثيرا من مستوى الفقر وعدم المساواة. وتلك إنجازات مهمة، لكن من الطبيعي تماما أن يرغب الشباب بالمزيد، لاسيما أولئك الذي يحصلون الآن على الأشياء التي لم يحصل عليها آباؤهم في حياتهم. وهؤلاء الشباب لم يعيشوا فترة قمع الدكتاتورية العسكرية في الستينيات والسبعينيات، ولا التضخم في الثمانينيات، ويذكرون القليل عن التسعينيات عندما حل الركود والبطالة بالبلاد.
وهم يرغبون بتحسين نوعية الخدمات العامة، ذلك أن الملايين من البرازيليين، بمن في ذلك من هم ضمن أوساط الطبقة الوسطى الصاعدة، اشتروا سياراتهم الأولى، ويفترض الآن أن تكون المواصلات العامة كفوءة في جعل الحياة في المدن أقل صعوبة.
ومخاوف الشباب ليست مادية فقط. لكن فوق كل شيء آخر يطالبون بمؤسسات سياسية اكثر نظافة وشفافية، من دون تشوهات النظام الانتخابي والسياسي الذي عفا عليه الزمن، والذي أظهر أخيرا انه غير قادر على إدارة الإصلاحات.
شرعية المطالب
وشرعية تلك المطالب لا يمكن إنكارها، حتى لو انه من المستحيل تلبيتها بسرعة.
ويظهر التاريخ أنه عندما يجري إسكات الأحزاب السياسية، ويكون السعي وراء الحلول بالقوة، فإن النتائج تكون كارثية: الحروب والدكتاتوريات واضطهاد الأقليات. ومن دون الأحزاب السياسية لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية. لكن الناس لا يرغبون في أن يصوتوا كل أربع سنوات، بل يريدون تفاعلا يوميا مع الحكومات على الصعيد المحلي والوطني، وعلى المشاركة في تحديد السياسيات .
وما يدعو للسرور أن أولئك الشباب ليسوا منصاعين أو خمولين أو غير مبالين للحياة العامة، بل حتى الذين يعتقدون انهم يكرهون السياسة بدأوا في المشاركة. ولا زال هناك الكثير للقيام به.
والأخبار السارة الأخرى تتمثل في اقتراح رئيسة البرازيل ديلما روسيف استفتاء شعبيا للمضي في الإصلاحات السياسية التي هي ضرورية جدا، والتزاما وطنيا بالتعليم والرعاية الصحية والمواصلات العامة، حيث ستوفر الحكومة الفيدرالية دعما ماليا وفنيا كبيرا إلى الولايات والبلديات.
وعندما أتحدث مع قادة الشباب في البرازيل وغيرها من البلدان، أود أن أقول لهم: «حتى عندما تثبط عزيمتكم مع كل شيء وكل الناس، لا تتخلوا عن السياسة. شاركوا!».
وسائل جديدة
يريد الناس في الديمقراطية أن يُسمعوا، مما يوجد تحديا هائلا للقادة السياسيين، ويستلزم وسائل أفضل للتعامل عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليس فقط في أماكن العمل، بل أيضا مع ما يسمى بالقطاع غير المنظم. وإذا استخدمت المؤسسات الديمقراطية تكنولوجيا الاتصالات الحديثة كأدوات للحوار، وليس فقط للدعاية، فإنها سوف تدخل هواء نظيفا إلى عملياتها، وهذا سيجعلها على تناغم بفاعلية أكبر مع كل شرائح المجتمع.
