كان رد فعل الأوروبيين أن أصيبوا بالصدمة جراء ما كشف عنه، أخيرا، من أنه كان يجري التجسس عليهم باستمرار في مسار حياتهم اليومية. وتأثير الصدمة الفعلية لم يقتصر على مدى نطاق هذه المراقبة، بل تعداه لواقع أن التجسس قد يكون قام به أحد اقرب الأصدقاء والحلفاء. «والعلاقة الخاصة» مع الولايات المتحدة بينت في النهاية أنها ليست خاصة كثيرا. وعلى ما يبدو، تصرفت وكالة الأمن القومي الأميركية كما لو أن أميركا ليس لديها أي حلفاء حقيقيين، والمفارقة هو أن هناك خطر في أن تصبح نبوءة تحقق ذاتها. وليس أمام الأوروبيين إلا لوم أنفسهم، ذلك انه فيما كان قادتهم يمجدون فضائل العلاقة الخاصة، كانت الحكومة الأميركية على ما يبدو تسعى ببراغماتية وراء مصالحها.

أوروبا أمام الاختبار

وعلى الرغم من التداعيات الدبلوماسية الأخيرة بشأن مزاعم التجسس على المؤسسات والحكومات الأوروبية، إلا أن الفضيحة الحقيقية تكمن في أن ملايين الأشخاص العاديين في أوروبا اخضعوا أيضا لسنوات من الرقابة المنهجية. والواقع هو أن الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء على مدى فترة طويلة جدا، كانا يعطيان أولوية للعلاقات الدافئة مع الولايات المتحدة على حساب مصالح مواطنيهما. وفضيحة التجسس سوف تضع أوروبا الآن على المحك. ويتعين على البرلمان الأوروبي دعوة الرئيس الأميركي للتعامل مع المسألة من خلال السماح بإجراء تدقيق عام سليم، وتشكيل لجنة تحقيق برلمانية، كما حصل في عام 2011 مع برنامج مماثل للتجسس يدعى «اتشيلون».

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تحقق وحدة «يوروبول للأمن السيبراني» في إمكانية حصول تجسس من قبل قوة خارجية. وما تتوصل إليه تلك التحقيقات يجب أن يطعم باستراتيجية أمنية أوروبية جديدة. ورسالة قوية يجب أن ترسل إلى الحكومة الأميركية بأن التطفل سرا على المواطنين الأوروبيين لن يجري التسامح به. والاتفاقات الحالية حول تبادل بيانات المسافرين (بي إن آر) والبيانات المصرفية (سويفت) يجب تعليقها أو إنهاؤها، والمباحثات بشأن معاهدة لحماية البيانات عبر الأطلسي يجب وقفها ريثما تتوضح الأمور بشأن الفضيحة.

مواقف حازمة

ونظام «سيف هاربور» الأوروبي الأميركي الذي يسمح للشركات الأميركية بتولي ونقل البيانات الشخصية للمواطنين الأوربيين ينبغي أن يلغى مؤقتا.

والممارسة الأميركية المتمثلة في أن يكون هناك حق النقض على قواعد الشفافية الأوروبية غير مقبولة ويجب إنهاؤها. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي توقيع اتفاقية نهائية حول اتفاق للتجارة والاستثمار بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلا بعد حل القضية بشكل مرض.

 وقضية نقل البيانات الشخصية يجب استثناؤها بشكل قاطع من نطاق الاتفاق. علاوة على ذلك، لا بد من إعادة إدراج ما يدعى ببند «أنتي ــ فيزا» في الإصلاح الحالي لقواعد حماية البيانات في الاتحاد الأوروبي. وأخيرا، يتعين على المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية أن يجريا تقييما معمقا لسياسات محاربة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي الذي طالب به البرلمان الأوروبي في عام 2011.

وفي نهاية المطاف، من مصلحة الجميع أن يجعل «العلاقة الخاصة» اكثر مساواة وصحة. وأوروبا أشد قوة ستكون شريكا افضل لأميركا وضامنا أفضل لحقوق مواطنيها، ويتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتخذ الخطوات الضرورية لضمان أن التحالف عبر الأطلسي لا تهدده مثل تلك الفضائح في المستقبل.

حماية الحقوق

 

يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يظهر أنه على استعداد لحماية حقوق المواطنين الأوروبيين، وقادر على ذلك، وأن يتمسك بمبادئه الأساسية. وفي سبيل القيام بذلك، ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يزدهر ويتطور، ويصبح فاعلا سياسيا ناضجا. وفوق كل شيء، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يطالب بتوضيح كامل من حكومة الولايات المتحدة حول مدى حدود مزاعم التجسس، وهذا الأمر لا يجب أن يتم وراء أبواب مغلقة.