بعد عام واحد أمضته جماعة الإخوان المسلمين في السلطة، أدى خلاله سلوكها الدكتاتوري على نحو جلي إلى تنفير الملايين من المصريين، عادت إلى حيث بدأت.
فعلى امتداد ستة عقود قبل ثورة 25 يناير 2011، كانت الجماعة في صفوف المعارضة، وهذه المرة فإن الجماعة حتى بعد أن أطاحت المؤسسة العسكرية المصرية بالتضامن مع الشعب المصري بالرئيس المصري السابق محمد مرسي، واحتجزت كبار قادة الإخوان المسلمين، وسط أنباء عن أوامر ضبط وإحضار أصدرتها النيابة بحق حوالي 300 من كوادرها، وإغلاق بعض مكاتبها ومحطات التلفزة التابعة لها أو المتعاطفة معها ومصادرة بعض أموالها، لا يبدو أنها على استعداد للانسحاب من المشهد السياسي المصري في سكون، ومن هنا جاءت دعواتها المتكررة لتصعيد الاحتجاجات.
جماعة الإخوان المسلمين مصرة على مواصلة الصراع، بحسب الكيفية التي تنظر بها إلى الأحداث التي سبقت ذلك.
غير أن جماعة الإخوان المسلمين كانت على الصعيد التاريخي مستعدة للوصول إلى حل وسط حول مثل هذه المبادئ، عندما تواجه بخصم قوي. ويقول عبد الجليل الشرنوبي، العضو السابق في الجماعة والذي عمل في مقرها الرئيسي في الفترة من 2005 إلى 2011:» جماعة الإخوان المسلمين لها على الدوام سقف، ونحن لا نلمس هذا السقف وإنما نتحرك تحته».
سقف الجماعة
ويفسر الشرنوبي ما يقصده بالقول إن السقف قبل ثورة 25 يناير 2011، تمثل بالرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، حيث فرضت الجماعة ضوابط داخلية على المدى الذي يمكن أن يذهب إليه أعضاؤها في الهجوم على مبارك. وهكذا فإن انتقاد وزير بعينه كان أمراً لا بأس به، ولكن مهاجمة مبارك شخصياً باستثناء حالات محدودة- لم يكن كذلك.
وقال الشرنوبي إنه بعد الإطاحة بمبارك أصبح السقف واشنطن، حيث خشيت الجماعة من أن مواجهة الولايات المتحدة حول مصالحها الأساسية سوف تؤدي إلى رد فعل مدمر. وهذا هو السبب في أنها حرصت على التمسك بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لعام 1979 على الرغم من معارضتها لها .
فرص النجاح
وفي ضوء هذه الخلفية، فإن المرء كان يمكن أن يتوقع من جماعة الإخوان المسلمين أن تنظر إلى المؤسسة العسكرية الآن باعتبارها سقفها، فهذه المؤسسة في النهاية هي أقوى مؤسسات مصر، ويمكنها القضاء على الجماعة.
وعلاوة على ذلك، فإن الجماعة خلال رئاسة محمد مرسي قد تعاملت في بعض الأحيان مع المؤسسة العسكرية على أنها بعيدة المنال، واحترمت ما يمكن وصفه بهيمنة هذه المؤسسة على مصالحها الاقتصادية وشؤونها الدفاعية، بل وكرست هذه الهيمنة في الدستور الذي عجل مرسي بإقراره في ديسمبر الماضي. وعلى الرغم من ذلك ، ومع أن الجماعة ليست لها فرصة نجاح تذكر ضد المؤسسة العسكرية، فإنها تبدو مستعدة لمواصلة مواجهة العسكريين، وذلك لسببين محددين:
صراع متطاول
في ضوء تشديد جماعة الإخوان المسلمين على الاعتماد على هيكلها القيادي الصارم، فإن الإطاحة ببعض قادتها يمكن أن يجعلها تتصرف بشكل خاطئ وأكثر عنفاً مما سيؤدي إلى دعم تصدي العسكريين لها. وفي النهاية فإن الإطاحة بهؤلاء القادة سيؤدي إلى ابعاد العناصر التي يمكنها تغيير استراتيجية الجماعة الراهنة بجعل المؤسسة العسكرية مجدداً سقف الجماعة.
ولكن بغض النظر عن وجود انقسامات في صفوف العسكريين من عدمه، فإن قيادتهم لا يحتمل أن تتراجع عن مواقفها، ومن هنا فإن صراعاً مدنياً قد يكون أمراً حتمياً، فالجماعة والمؤسسة العسكرية لهما مصالح لا يترددان في خوض الصراع من أجلها إلى أجل غير مسمى، وهذا الصراع لن ينتهي إلا بتصدع أحد الجانبين أو تصدع المجتمع المصري بأكمله أولاً.
