أشيد، على امتداد العقد الماضي، بتركيا والبرازيل باعتبارهما نجمين من نجوم الأداء الاقتصادي والأسواق الناشئة اكتسبا نفوذاً متزايداً على الساحة العالمية، ومع ذلك فإنهما خلال الأشهر الثلاثة الماضية تعرضا للشلل، بفعل تظاهرات هائلة تعرب عن السخط العميق على أداء حكومتيهما. ما الذي يجري إذن وهل ستتعرض المزيد من الدول لاضطرابات مماثلة؟ إن الموضوع الذي يربط الأحداث الأخيرة في تركيا والبرازيل أحدهما بالآخر، وكذلك بالربيع العربي، والاحتجاجات المتواصلة في الصين، هو نشأة طبقة وسطى عالمية جديدة.
اختمار سياسي
وفي كل مكان تظهر فيه طبقة وسطى، فإن ذلك يؤدي الى اختمار سياسي، ولكن نادراً ما استطاعت هذه الطبقة بمفردها إحداث تغير سياسي دائم، وما من شيء مما شاهدناه أخيراً في شوارع اسطنبول أو ريودوجانيرو يشير إلى أن هاتين الحالتين ستكونان استثناء من هذه القاعدة.
في تركيا والبرازيل، كما هي الحال في تونس ومصر قبلهما، لم يتصد لقيادة الاحتجاج الفقراء، وإنما شبان ذوو مستويات أعلى من المتوسط من الثقافة والدخل، وهم مولعون بالتقنية ويستخدمون الوسائط الاجتماعية، مثل فيسبوك وتويتر، لبث المعلومات وتنظيم التظاهرات. وحتى عندما يقيمون في بلاد تجرى فيها الانتخابات، فإنهم يشعرون بالاغتراب عن النخبة الحاكمة. وهم في تركيا يعترضون على سياسات التطوير بأي ثمن والأساليب الأوتوقراطية التي يتبناها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان. وفي البرازيل يعترضون على النخبة الفاسدة والمتمترسة في مواقعها. وبالنسبة لهم فإنه ليس كافياً أن تكون الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف ناشطة يسارية أودعها النظام العسكري السجن في السبعينات وزعيمة لحزب العمال البرازيلي التقدمي، ومن منظورهم فإن هذا الحزب قد غرق في فساد النظام.
كان عالم الأعمال يضج حول الطبقة الوسطى العالمية الناشئة لمدة عقد من الزمن على الأقل، فقد تنبأ معهد الاتحاد الأوروبي لدراسات ألأمن في تقرير صدر عام 2012 بأن هذه الطبقة سوف تزيد من 1.8 مليار نسمة في عام 2009، إلى 3.2 مليارات نسمة في 2020 و 4.9 مليارات نسمة في 2030 (وذلك من إجمالي سكان متوقع يصل إلى 8.3 مليارات نسمة). والجزء الأعظم من هذا النمو سوف يحدث في آسيا وبصفة خاصة في الصين والهند، ولكن كل منطقة في العالم ستساهم في هذا الاتجاه. وينبغي أن نلاحظ أن الأعضاء الجدد في الطبقة المتوسطة يحتمل بشكل أكبر أن يدفعهم إلى الحركة ما أسماه العالم السياسي الراحل صمويل هنغتنتون بـ"الهوة" أي إخفاق المجتمع في تلبية توقعاتهم المتزايدة فيما يتعلق بالتقدم الاقتصادي والاجتماعي. وبينما يكافح الفقراء للبقاء على قيد الحياة من يوم إلى آخر، فإن أبناء الطبقة المتوسطة المحبطين يحتمل بشكل أكبر أن ينخرطوا في النشاط السياسي لكي يمضوا في طريقهم قدماً.
ديناميكية واضحة
كانت هذه الديناميكية واضحة في الربيع العربي، حيث تصدى لقيادة الانتفاضات التي تغير الأنظمة عشرات الألوف من الشبان الذين تلقوا تعليماً جيداً نسبياً، فقد قدمت مصر وتونس أعداداً كبيرة من خريجي الجامعات في الجيل الماضي ولكن الحكومات الدكتاتورية التي شكلها الرئيس التونسي السابق بن علي والرئيس المصري الأسبق حسني مبارك كانت أنظمة رأسمالية فاسدة كلاسيكية تعتمد الفرص التي تتاح في ظلها بشكل كبير على الاتصالات السياسية. ولم ينم أي من البلدين بسرعة كافية لتوفير الوظائف لأعداد متزايدة من الشباب وكانت النتيجة هي الثورة.
لا يعد أي من هذا ظاهرة جديدة، فالثورات الفرنسية والبلشفية والصينية جميعها قادها أفراد ساخطون من الطبقة الوسطى، حتى، إن تأثرت مسيرتهم في وقت لاحق بالفلاحين والعمال والفقراء.
وبينما يقود أعضاء في الطبقة الوسطى الاحتجاجات والانتفاضات والثورات، فإنه نادراً ما ينجحون بمفردهم في الوصول إلى تغيير طويل الأمد. ويرجع هذا إلى أن الطبقة الوسطى نادراً ما تمثل أكبر من أقلية في الدول النامية، وهي نفسها منقسمة داخلياً.
والمحتجون الشبان في تونس أو ميدان التحرير، بعد أن أسقطوا الدكتاتورين في بلديهما، فشلوا في مواصلة مسيرتهم عن طريق تنظيم أحزاب قادرة على المنافسة في الانتخابات على المستوى الوطني، والطلاب بصفة خاصة ليست لديهم رؤية واضحة حول كيف يمدون أيديهم إلى الفلاحين والطبقة العاملة لتشكيل تحالف عريض.
وبالمقابل فإن الأحزاب الإسلامية النهضة في تونس وجماعة الإخوان المسلمين في مصر- لها قاعدة في سكان الريف وعلى امتداد سنوات الاضطهاد التي تعرضوا لها أصبحوا بارعين في تنظيم أتباعهم الأقل تعليماً، وكانت النتيجة هي فوزهم في الانتخابات الأولى التي أجريت بعد سقوط النظامين الدكتاتوريين.
ومن المحتمل أن مصيراً مماثلاً ينتظر المحتجين في تركيا، فأردوغان يظل متمتعاً بالشعبية خارج المناطق الحضرية في البلاد، ولم يتردد في حشد أعضاء حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه لمواجهة خصومه. وعلاوة على ذلك فإن الطبقة المتوسطة في تركيا منقسمة. إن الطبقة المتوسطة الجديدة ليست تحدياً لأنظمة الدكتاتورية أو الأنظمة الديمقراطية الجديدة فحسب، فما من نظام ديمقراطي مستقر ينبغي أن يعتقد أن بمقدوره الاطمئنان إلى أنه يجري انتخابات ولديه قادة يحرزون نتائج جيدة في استطلاعات الرأي، فالطبقة المتوسطة التي مكنتها التقنية ستكون أعلى صوتاً في مواجهتها.
بطالة متزايدة
تعايش الولايات المتحدة وأوروبا نمواً محدوداً وبطالة متزايدة بصورة متفاقمة، وهي بطالة تصل بالنسبة للشباب في بلاد مثل اسبانيا إلى 50%، وفي العالم الثري فإن الجيل الأقدم قد خذل الشباب، حيث أثقلهم بديون ساحقة، وما من سياسي في الولايات المتحدة أو أوروبا ينبغي أن يطل بصورة متواطئة على الأحداث التي تجري في شوارع اسطنبول وساوباولو فسوف يكون من قبيل الخطأ الخطير التفكير في أن :"ذلك لا يمكن أن يحدث هنا".
