هل بإمكان الإسلام السياسي أن يكون لاعبا بناءً في ظل نظام ديمقراطي بالفعل؟ تونس تحاول حاليا الإجابة عن هذا السؤال، بتأثيرات ستمتد على مجمل العالم العربي.

هناك عوامل كثيرة تحسن من فرص تونس في تحقيق انتقال ديمقراطي ناجح. فهناك على سبيل المثال، الطبقة الوسطى الكبيرة والمثقفة في البلاد، والاعتدال التاريخي لجامعة الزيتونة، بالإضافة إلى أن جزءا نافذا من الحزب الحاكم في تونس، وهو حركة النهضة، طور ميولا ديمقراطية خلال الوجود طويل الأمد لأعضائه في المنفى الأوروبي.

لكن بعد مرور سنتين من بدء ثورة الياسمين في تونس، ما زالت هناك شكوك حول ما إذا كانت "النهضة" بإمكانها الإشراف على استكمال عملية الانتقال إلى الديمقراطية. ومنذ أن فازت بأول انتخابات حرة في تونس في عام 2011، لم تكن "النهضة" قادرة على الاختيار بين دعم دولة تعددية أم دولة إسلامية. وهذا التردد أدى إلى مستوى عال من الاستقطاب بين الليبراليين والإسلاميين، وإلى عنف سياسي.

وموقف "النهضة" المتساهل مع المنظمات الإسلامية المتشددة شجع تلك المجموعات على أن تصبح أكثر حزما، حيث طالبت بدستور إسلامي، طارحة نفسها للمنافسة في الانتخابات العامة المقبلة، المتوقع عقدها قبل نهاية السنة الحالية. وكان من نتائج هذه النزعة المتشددة بشكل متزايد، أن ازدادت أعمال العنف المرتكبة من قبل الجماعات الإسلامية.

ومع قيام كل من الأحزاب العلمانية والإسلامية باستعراض عضلاتها، فإن صياغة دستور جديد كان تحديا بالذات. في أبريل الماضي، أصدرت الجمعية التأسيسية الوطنية التي يهيمن عليها الائتلاف الحاكم، نسخة عمل ثالثة من الدستور لم ترض أحدا.

وخلال عملية الصياغة، تمكن المخيم الليبرالي من أن ينتزع من قيادة "النهضة" تصريحات تدعم الحقوق المدنية، بما في ذلك حرية الدين والسيادة الشعبية، وان يستثني ذكر حكم الشرعية.

لكن العديد من أعضاء "النهضة" يبدون على غير استعداد للقبول بتلك المبادئ. ولهذا السبب، فان صياغة دستورية لاحقة تضمنت بنودا جديدة عدة، مثل تلك التي تشير إلى التجديف، يمكن استخدامها للحد من الحريات الشخصية، ودعم الطابع الإسلامي للدولة.

وتلك البنود أدت إلى سجال محتدم في اطار الحوار الوطني الذي قادته النقابات العمالية الأكبر في تونس. وتم التوصل إلى اتفاقية على تعديل البنود الجديدة، لكن الجمعية التأسيسية التي تهيمن عليها "النهضة" رفضت الاتفاقية بعد ذلك بأسبوعين، وهذه كانت المرة الثالثة التي يرفض فيها أعضاء النهضة المنتخبون احترام التزامات قامت بها قيادة الحزب.

وأخيرا، فيما كان يجري توزيع الصيغة "النهائية" للمناقشة، اشتعلت أزمة سياسية أخرى حول تعديل في اللحظة الأخيرة، لبنود تتعامل مع حق الإضراب وحرية التعبير.

وقد رد قادة "النهضة" على ردة الفعل الشعبية القوية بسبب الخروقات الأمنية بالدعوة للمرة الأولى لفرض القانون، واعلنوا أيضا دعمهم الكامل لقرار الحكومة في منع مؤتمر انصار الشريعة.

وليس واضحا بعد ما إذا كانت مثل تلك التصريحات إشارة إلى تغيير حقيقي في استراتيجية "النهضة" أم أن المقصود منها فقط تهدئة التوترات وتبديد حالة الاستياء.

وتونس وصلت إلى نقطة حرجة في انتقالها السياسي. ومع بلوغ عملية صياغة الدستور الجديد مراحلها النهائية، فانه سيتعين على النهضة أن تقرر ما إذا كانت ستلتزم كليا بمجتمع ديمقراطي تعددي مفتوح.

وإذا ما فعلت ذلك، فانه سيتعين على قادتها ضبط الجناح المتشدد في الحزب، والتوصل إلى موقف موحد من مشروع الدستور النهائي.

 

لغة مزدوجة

ترغب حركة النهضة في تونس بتوحيد الإسلام السياسي تحت مظلة الاعتدال والتحديث، وبدفع مع احتدام المنافسة الآتية من الأحزاب الإسلامية المتشددة، تميل أيضا إلى الانتقال باتجاه اليمين لتوسيع قاعدتها الانتخابية.

ونتيجة هذه الضغوط التنافسية، تبنت النهضة لغة مزدوجة غامضة، انتهت بتهميش الدوائر الانتخابية المتشددة والمعتدلة على حد سواء، في وقت شلت المؤسسات مثل الجمعية التأسيسية الوطنية التي من المفترض أن تقود الانتقال السياسي في تونس.