كان وراء التدخل العسكري في الحياة السياسية المصرية، أخيراً، تلك الحشود الهائلة التي تدفقت إلى الشارع للاحتجاج بشدة على سلوك حكومة جماعة الإخوان المسلمين ولجوئها للعنف.
فقد فشل الرئيس محمد مرسي الذي تمت تنحيته وحزبه "الحرية والعدالة" للإخوان المسلمين، في كسب شرعية شعبية واسعة النطاق، على الرغم من استخدامه الإسلام لتبرير التحركات السياسية لناخبيهم من الأغلبية المسلمة.
والمحتجون يشكلون مزيجاً غير متجانس من الناس الغاضبين الذين يعرفون أن شيئاً خطأ يجري في الساحة، لكن ليست لديهم أيديولوجية واحدة أو سياسة واحدة لتوحدهم وراء غضبهم في ظل الوضع الراهن في البلاد. إنهم مزيج من الليبراليين، وداعمي مرسي المصابين بخيبة أمل، وبعض الذين يتوقون إلى الثوابت القديمة.
وكانت حركة "تمرد" السبب الرئيسي وراء تدفق الغضب الهائل أخيراً، وهذه الحركة أسسها في أبريل الماضي أعضاء من "الحركة المصرية من أجل التغيير"، المعروفة أكثر بشعارها "كفاية"، التي حققت نجاحاً كبيراً عندما ضغطت من أجل الإصلاح السياسي في مصر في عهد الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك عامي 2004 و2005.
و"تمرد" لا يمكن تسميتها بحزب سياسي، فالحركة ليس لديها بيان تأسيسي، أيديولوجية أو زعيم، لكن لديها روح قوية وتنظيم فعّال مؤثر كما أثبتت الطريقة التي جمعت فيها 22 مليون توقيع على عريضة، على ما يبدو بأرقام هويات تم فحصها في مقابل السجلات الانتخابية.
والعريضة الذي أطلقتها "تمرد" هي في صلب الاحتجاجات المناوئة لمرسي أخيراً.
وهي تركز على تصحيح أخطاء إدارة مرسي، بمطالب مثل استعادة الأمن، والوقوف إلى جانب الفقراء والمحرومين، والمطالبة بالعدالة للأشخاص الذين قتلتهم قوات الأمن، والشكوى من انه لم تعد هناك كرامة للمصريين أو لبلادهم، والانتقاد الشديد لانهيار الاقتصاد والتضخم المستشري.
قوة السياسات الحزبية
التحدي الذي يواجه المحتجين هو في تحويل هذا الغضب إلى حركة سياسية. وأي حزب سياسي ناجح يحتاج إلى أيديولوجية توفر قلب الحركة، وإلى القدرة على التقرب عاطفياً من الشعب، وهذان يستندان في معظم الأحيان إلى تاريخ مشترك وأصداء شعبية له، ويحتاج الحزب أيضاً إلى أمرين، الزعيم القادر على توضيح ردود الحزب على الأحداث، والتنظيم الفعّال.
والتحدي في العالم العربي يتمثل بعدم وجود مثل هذا الحزب أو الولاء السياسي، ويتعين على أي سياسي عربي ليبرالي أن يبني إرثاً سياسياً شعبياً جديداً، وهذا يعد سبباً رئيسياً وراء معاناة الأحزاب غير الإسلامية في مثل هذه الأوقات العصيبة.
فليس لهذه الأحزاب المزايا التي كانت لدى المصلحين العرب في خمسينات وستينات القرن الماضي، الذين كان بإمكانهم الاستعانة بشرعية الثورات الناجحة القائمة على القومية المناهضة للاستعمار، مثل الاشتراكيين العرب للرئيس المصري السابق جمال عبدالناصر أو حزب البعث الأصلي لميشيل عفلق في العراق وسوريا، الذين تأسست شعبيتهم وشرعيتهم على تحقيق الحرية للعرب من الحكم الأجنبي.
ولقد أدت الاضطرابات السياسية والثورات في مصر وسوريا والعراق في نهاية المطاف إلى تشكيل حكومات عسكرية في تلك البلدان الثلاثة، وقد فسح التعفن البطيء اللاحق للشرعية السياسية مع تراجع النجاحات الأولية المناهضة للاستعمار، المجال أمام حكومات شرسة مصممة على التمسك بالسلطة بكل قوة.
وفي المخيلة الشعبية، سيطرت مكان هذه الحكومات الجماعات الإسلامية التي رأت الفرص المتاحة في الدول المختلة وظيفياً، فقامت تلك الجماعات ببناء المستشفيات والمدارس للحصول على امتنان ملايين الناس.
ومرسي وزملاؤه من الإخوان المسلمين يستندون إلى عقود من النشاط الاجتماعي، كان قد أتقنته جماعة الإخوان المسلمين، لكنهم وجدوا إدارة بلاد بحيلها مختلف كثيراً عن مهاجمة دكتاتور.
والآن، فإن العالم العربي بأسره مفتون بنشطاء "تمرد" و"كفاية"، فيما هم يشرحون آراءهم، ويدافعون عنها، في بداية لأيديولوجية سياسية علمانية وليبرالية للعالم العربي، ولقد دعوا الرئيس السابق الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي ليقودهم في المفاوضات مع الحكومة أخيراً.
وهذا الأمر قد يكون مجدياً وقد لا يكون، لكن ما هو مؤكد أن التطور البطيء من فورة "كفاية" في عهد مبارك عام 2006، إلى ميدان التحرير في عام 2011، وعودة إلى ميدان التحرير في عام 2013، أظهر لمسة سياسية أكثر وضوحاً ومقدرة، وعمل أيضاً على بناء تاريخها، وسمح لأفراد في تبادل العواطف السياسية الأساسية للمشاركة في بناء أسطورة بلادهم.
غياب القيادة
قوة السياسات الحزبية هي أن الناس يمكنهم الشعور بسرعة بتقارب مع السياسيين.
فعلى سبيل المثال، كل مرشح للانتخابات الرئاسية الأميركية يظهر على شاشات التلفزة، مرتدياً ربطة عنق زرقاء مع رسم لحمار على سترته، يدعي تراث الديمقراطيين، ويدعي التحدث للرجل العادي البسيط وبأنه وريث الرئيسين الأميركيين الأسبقين جون كنيدي وبيل كلينتون
. وكل سياسي بريطاني يضع وردة صفراء يعلن عن نفسه بأنه ليبرالي ديمقراطي، ويتحدث عن التيار الفردي التحرري، الذي يعود إلى أمجاد العصر الفيكتوري لغلادستون وأخيراً جو غرموند.
والتحدي في العالم العربي يتمثل في أنه لا يوجد مثل هذا الحزب أو الولاء السياسي لدى غالبية كبيرة من المواطنين في العديد من الدول التي تسعى إلى وضع دستور علماني لكنه أيضاً ليس بعيداً عن الدين.
