شكّل صعود المتشددين الإسلاميين في تونس التي انطلقت منها بدايات الربيع العربي، أخباراً مقلقة تضاف إلى الأخبار الأخرى الصادرة عن أرجاء مختلفة في العالم الإسلامي.
لكن الأخبار الإيجابية هي أن خصومهم الرئيسيين لم يعودوا الدكتاتوريين العلمانيين القدامى، وإنما هم إسلاميون آخرون يهدفون إلى الحكم من خلال انتخابات حرة. وكما أشعلت الاحتجاجات المناوئة للحكومة في تونس في أواخر 2010 الاضطرابات في المنطقة، فعلينا ترقب أن يتردد صدى نتائج الاشتباكات الجماعية تلك على امتداد الشرق الأوسط.
ومؤسس حركة النهضة، راشد الغنوشي، لم يتوقع هذا الصراع. ففي أوائل عام 2011، عاد من المنفى في لندن للمساعدة في توجيه تونس بعيداً عن الحكم الاستبدادي العلماني. وحركة النهضة المرتبطة بحركة الإخوان المسلمين فازت بالأكثرية في الانتخابات في تلك السنة، وشكلت حكومة ائتلافية مع حزبين علمانيين متنافسين.
وعلى الرغم من انعدام الثقة بين هذه الأطراف، إلا أن "الترويكا" الحاكمة صاغت دستوراً أشادت به منظمة "هيومن رايتس واتش" لفصله الدين عن الدولة ووضعه ضوابط على السلطة. والهدف كما قال الغنوشي في يوم الانتخابات منذ سنتين الوصول إلى "دولة إسلامية معتدلة وديمقراطية".
التهديد الأعظم
وهذا الطموح لم يتحقق بعد، والتهديد الأخطر يأتي من الذين يرغبون في التحول إلى متشددين. وفيما كانت حركة النهضة تقدم تنازلات للمؤسسة العلمانية، استحوذت حركة سلفية صاخبة على المشهد. والسلفيون التونسيون يعتبرون الحكومة الديمقراطية بمثابة ردة.
ولقد تجاهلت حركة النهضة والغنوشي، إشارات التحذير الواضحة إلى هذا التهديد الناشئ، في الوقت الذي انقلب السلفيون على كل ما هو غير إسلامي. حاصروا محطة تلفزيونية لبثها فيلم الرسوم المتحركة "برسبولس"، واجتاحوا متاجر لبيع الكحول وصالة عرض للفنون ومسارح وقاعات حفلات. وتدفقت الأسلحة من ليبيا المجاورة. وقد قاومت حركة النهضة الدعوات للقضاء عليهم.
وفي بدايات السنة الماضية، التقى الغنوشي مع قادة أنصار الشريعة، والفيديو الذي صور اللقاء بينهما يظهر الغنوشي وهو يتوسل جمهوره لإعطائه "المزيد من الوقت" للتخلص من العلمانيين الذين يسيطرون على وسائل الإعلام، والاقتصاد والإدارة".
وقساوة السلفيين وعنفهم شرعاً في تعريض التجربة التونسية في السياسة الحرة للخطر. فبعد مرور ثلاثة أيام من هجوم بنغازي، قام "أنصار الشريعة" بنهب السفارة الأميركية ومدرسة في تونس. وفي فبراير، قُتل السياسي القيادي العلماني شكري بلعيد بالرصاص خارج منزله، فاحتج الألوف ملقين اللوم على الرد الأعرج من جانب "النهضة" على استفزازات السلفيين.
الرد المتأخر
وأخيراً، تحركت الحكومة التونسية بقيادة النهضة ضد الإسلاميين المتشددين. وتم إرسال الجيش التونسي إلى الحدود الجزائرية لمحاربة المجموعات الإرهابية المتحصنة هناك، وسقطت خسائر بشرية. كذلك اصطدمت الشرطة مع مؤيدين لـ "أنصار الشريعة" في مدن عدة بعد أن منعت الحكومة المجموعات المسلحة من عقد اجتماعها السنوي. وقد أصدر الغنوشي بياناً في مايو الماضي جاء فيه: "السلفيون يمثلون تهديداً لتونس" وأقسم على هزيمتهم، ودعاهم بـ "الإرهابيين". والمتشددون، بدورهم، أعلنوا الحرب على "النهضة" والغنوشي. ويشدد المقربون من حركة النهضة على أن تورط الجيش والخسائر التي سقطت في القتال وضعا "النهضة" بعد نقطة اللاعودة.
وهذه التطور في تونس دليل على إمكانية التطور في السياسات العربية، وكثيرون هذه الأيام يرون الاضطرابات في السنتين الماضيتين ويتخلون عن الشرق الأوسط باعتباره حالة إصلاحية ميؤوساً منها. لكن السؤال ليس ما إذا كان العالم العربي يتغير، بل كيف يتغير.
نقطة اللاعودة
تبدو مواقف زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي متناقضة عند مناقشة الخط المتشدد. يقول: إنه لا يمكن التعامل مع السلفيين بوسائل أمنية فحسب»، ويرى أن انتعاشاً اقتصادياً في تونس يخفف من حدة جاذبيتهم، ويضيف قائلاً: يمكننا استيعابهم من خلال الحوار. أما آخرون مقربون من حركة النهضة، فيشددون على أن تورط الجيش والخسائر التي سقطت في القتال وضعا «النهضة» عند نقطة اللاعودة.
