يأتي من أفريقيا الكثير من الأخبار السارة، لكن قلة من الناس خارجها يدركون ما يجري هناك، والأخبار التي تصلنا هي دوماً سلبية، وتلقي على القارة ظلالاً من القوالب النمطية. لكن من خلال إلقاء نظرة ثاقبة وغير متحيزة، يصبح واضحاً أن أفريقيا جديدة آخذة في النشوء.
وعلى امتداد أكثر من عقد من الزمن، نما الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا الجديدة بمعدل يقرب من 5 %. ويتوقع نمو مماثل على امتداد القارة هذه السنة، على الرغم من الأزمة المالية العالمية، مع بقاء التضخم تحت السيطرة. ومن بين الدول العشر في العالم، التي نمت بدرجة أسرع من غيرها في السنوات القليلة الأخيرة، فإن سبعاً منها كانت دولاً أفريقية.
ويتجاوز حجم ما يسمى الطبقة الوسطى الأفريقية الآن 300 مليون نسمة، من تعداد سكان يبلغ حوالي المليار. ولقد تحسنت المؤشرات الصحية لمعظم البلدان بشكل متواصل، كذلك تحسنت إمكانية وصولها إلى التكنولوجيا، والقارة تتفاخر بوجود أكثر من 700 مليون هاتف متحرك، كذلك فإن أكثر من 100 مليون أفريقي لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت.
وقت الإقدام والتضامن
والديمقراطية بدورها حققت أشواطاً. منذ عام 2011، فإن ما لا يقل عن 26 عملية انتخاب تنفيذية وتشريعية أجريت في أفريقيا. والأفارقة يصرون على حقهم في اختيار قادتهم، والمشاركة بفعالية في تقرير السياسة العامة. وعلى الرغم من المشكلات التي لا تزال تواجهها القارة، إلا أن أفريقيا تتغلب على الإرث المدمر للاستعمار وخلافات القوى العظمى خلال الحرب الباردة. ويفهم قادة أفريقيا أن عليهم مواجهة منطق التنحية والإقصاء المنافية للمنطق لدى عدد كبير مما يسمى الدول "النامية"، وبدلاً من تقليص الاستثمارات وطرد العمال وتخفيض المعاشات ومنافع التقاعد، ما يقلص الائتمان والاستهلاك، فقد تبنت كل الدول الأفريقية سياسات تشجع الاستثمارات وتولد الوظائف وتشجع الأسواق الداخلية.
والاتحاد الأفريقي، الذي احتفى أخيراً بالذكرى الخمسين لإنشائه، كان على حق في قوله، إن هذا هو وقت الإقدام لا السلبية، ووقت التضامن بين الأمم لا ضغط الاقتصادات الأقوى على الاقتصادات الأضعف. وأفريقيا مجدداً تتولى شؤون مصيرها، ولا تريد، كما أنها لن تكون موجهة من قبل الآخرين. وما ترغب به أفريقيا هو تعزيز الاندماج الاجتماعي، وتحسين رفاه شعوبها دون أي تدخل سياسي وعسكري من الدول الأجنبية. كما ترغب باكتفاء ذاتي غذائي، واستقلالية في مجال الطاقة، وإنشاء بنى تحتية تسمح للتجارة والتصنيع أن تزدهر بين بلدانها.
ولهذا السبب، حظي برنامج تطوير البنى التحتية في أفريقيا، الذي وافقت عليه أخيراً 54 دولة في الاتحاد الأفريقي، بأهمية هائلة. والبرنامج الذي شعاره "ربط ودمج وتحويل قارة"، من المقرر أن يستثمر أكثر من 360 مليار دولار بحلول 2040، في مشاريع تركز على الطاقة والصرف الصحي والنقل والري والاتصالات. وعندما يطرح الاتحاد الأفريقي مبادرة بهذا الحجم، فإنه يظهر جدية أولئك الذين لا ييأسون ولا ينهزمون أمام الأزمات.
حرب الجوع والفقر
وأنا أصفق لهذه الشجاعة، وآمل أن تستخدم في القضاء على الجوع الذي ما زال من أسوأ المشكلات في العالم، لا سيما في أفريقيا. والحرب على الجوع والفقر أمر حيوي في صعود أفريقيا الجديدة.
وموضوعا الفقر والبؤس ليسا من القوانين الطبيعية غير القابلة للحل. فلا يوجد نقص في الغذاء أو في التكنولوجيا التي تزيد إنتاج المحاصيل والغذاء. ولا يوجد سبب يدعو لقبول استمرار معاناة ما يقرب من مليار نسمة، من بينهم 239 مليون يعيشون في أفريقيا، بحسب الأمم المتحدة، من الجوع وسوء التغذية يومياً.
في عام 2003، عندما توليت رئاسة بلادي، كانت لدي القناعة الأخلاقية والسياسية بضرورة محاربة الجوع والفقر من خلال سياسات حكومية نشطة. واليوم أنا متأكد أنه بالإمكان القضاء على الجوع على امتداد العالم. وباستخدام التكنولوجيا المناسبة، لا أشك بتاتاً في أنه في العقود المقبلة سوف تقوم القارة الأفريقية بالقفزة الزراعية نفسها التي قامت بها البرازيل. وتظهر الدراسات التي قامت بها المؤسسة البحثية البرازيلية الحكومية "إمبرابا"، أن منطقة السهول العشبية الأفريقية، هي إلى حد كبير شبيهة بالمناطق البرازيلية "سيرادو"، التي تشكل سلتنا الغذائية. وأنا متأكد أن أفريقيا ستكون في غضون فترة قصيرة، قادرة على إطعام شعبها، علاوة على تصدير الحبوب واللحوم والوقود الحيوي إلى العالم.
استثمار مجد
الحرب على إنهاء الجوع والفقر ليست مجرد واجب أخلاقي في أي ديمقراطية تستحق إسمها عن جدارة، فالاندماج الاجتماعي يولد وظائف جديدة، ويقود النمو الاقتصادي. وبلدان أخرى مضت في مسار مماثل.
وفي البرازيل، لا توجد أرقام يمكنها أن تعكس بشكل أفضل نجاح هذه الاستراتيجية في الاستثمار في الفقر أكثر من الوظائف التي تم توليدها في القطاع الرسمي، والبالغ عددها 20 مليون وظيفة في السنوات العشر الأخيرة، إلى جانب رفع 36 مليون شخص من براثن الفقر المدقع، وصعود 40 مليون شخص إلى مصاف الطبقة الوسطى.
ولن ننجح في تعزيز التعاون بين الحكومات والمنظمات الأهلية في الصراع ضد الجوع في أفريقيا، إلا إذا التزمت الحكومات في كل بلد بدمج الفقراء في ميزانياتها. وتمويل البرامج للفقراء لا يعد كلفة، بل هو إستثمار مرتفع العائد في شعوب تلك البلدان.
