فيما الغرب يستعد للاحتفال بذكرى مرور مئة عام على اندلاع الحرب العالمية الأولى في عام 1914، فإن التركة التي خلفها تفكك الإمبراطورية العثمانية بدأت تزلزل الشرق الأوسط بصورة غير مسبوقة. دعونا لا ننظر إلى أبعد من سوريا حيث تشكل اتفاقية سايكس-بيكو التي قسمت بلاد الشام إلى مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية جزءا من هذه التركة، فيما كانت الحرب العظمى لا زالت تستعر.

وعلى نحو مماثل، فان الاضطرابات الحالية في تركيا، هي في جانب منها على الأقل، تعود لتجاوزات "العثمانية الجديدة" من قبل حكومة رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان.

معركة جيوسياسية

وكانت بلاد الشام مسرحا لصراعات لا تحصى عبر القرون، والسلام لا زال يتملص منها. وكما لاحظ محلل شؤون الشرق الأوسط مرتضى حسين أخيرا فإن: "سوريا والعراق الدولتان العربيتان الموحدتان فيما مضى واللتان تشكلتا بعد هزيمة حكامهما العثمانيين السابقين، موجودتان الآن بالاسم فقط"، وما سيبزغ من الممكن أن يكون منطقة مجزأة يسهل التلاعب بها.

وهذا هو السبب في أن الحرب الأهلية في سوريا هي حاليا معركة جيوسياسية للهيمنة الإقليمية، مع تصدعات متعددة على طول الخطوط الطائفية. وكما هو واضح الآن، فإنه لا توجد بلاد معفاة حقا من تهمة التدخل في سوريا. والعراق، على سبيل المثال، الذي حاول تصوير نفسه بانه محايد، أذن باستخدام مجاله الجوي لنقل أسلحة إلى نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وعلى الأرض، يقوم حزب الله الآن بالقتال علنا في سوريا من أجل إبقاء الأسد في السلطة، وبحسب الأخضر الإبراهيمي الذي يشغل منصب الممثل الخاص المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية لسوريا، هناك ما يقدر بـ 148 مجموعة مسلحة صغيرة وكبيرة تقاتل هناك.

وهذا الصدع القديم الذي أخفاه سير مارك سايكس وفرنسوا جورج-بيكو منذ 97 عاما في اتفاقهما السري، قد ابتلع سوريا الآن، مع تصوير الأسد كنوع من الغول طائفي. ويبدو أن عدداً كبيراً من الدبلوماسيين الغربيين لديهم العقلية السطحية ذاتها لكل من سايكس وبيكو، من خلال اعتقادهم أن سقوط الأسد سوف يضع علامة فارقة على إلغاء سوريا من المحور الذي تنتمي إليه الآن.

فهل سيحصل ذلك؟ ومن أو ما الذي سيحل مكان الأسد؟ بالتأكيد ليس أفراد المجموعات المسلحة الذين يقاتلون النظام، حتى لو كانت الولايات المتحدة تقوم حاليا بإمداد بعضهم بالأسلحة، كما أعلنت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أخيرا.

ويشير التاريخ الحديث إلى مدى مرونة ومطواعية العناصر التي تؤدي دورا في سوريا بالفعل. وفي الواقع، فإن عدم القدرة على التكهن على المدى الطويل بمواقف بعض الأطراف العربية المؤيدة لبشار الأسد في مرحلة، والمنقضة عليه في مرحلة أخرى، هو السبب وراء تأكيد الممثل الأعلى السابق للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا والأمين العام السابق لحلف شمالي الأطلسي "ناتو"، جاب دو هوب شيفر، بأن المباحثات في جنيف هي السبيل الوحيد للخروج من المستنقع السوري.

تركة مدمرة

ومؤتمر "جنيف 2" شكل فرصة ممكنة، لكن الأمل يتضاءل حتى قبل أن تبدأ المباحثات. وأحد أسباب ذلك أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد احترام بلاده للعقد مع سوريا بتسليم صواريخ أرض جو "إس-300"، وشدد على خيبة أمله في سماح الاتحاد الأوروبي لكل دولة عضو بتسليح الثوار السوريين.

والآن بعد قرار أوباما إرسال الأسلحة أيضا، فإن "خطه الأحمر" في سوريا، أي استخدام الأسلحة الكيماوية، يمكنه أن يترك تركة مدمرة في المنطقة بقدر الدمار الذي براهن عليه "الخط المرسوم في الرمال" لسايكس بيكو.

والقيام بعملية تسليح المجموعات المنتفضة قد يكون أمراً حتميا، كذلك تسليح حلفاء تلك المجموعات من الإرهابيين والمرتزقة، وهذا لا يشكل وصفة لاستقرار طويل الأمد.

 

تضاؤل الأمل

 

يشكل الاتفاق الأخير بين وزير الخارجية الأميركية جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف على إطلاق عملية سياسية جديدة لسوريا، جنيف 2، فرصة ممكنه، لكن الأمل يتضاءل حتى قبل أن تبدأ المحادثات.

وبالتأكيد، فإن أحد أسباب ذلك أنه في يوم افتتاح القمة بين روسيا والاتحاد الأوروبي في إيكاترينبرغ في 4 يونيو الماضي، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستحترم عقدها مع سوريا بتسليم صواريخ ارض جو "إس-300". وشدد بوتين على خيبة أمل روسيا إزاء فشل الاتحاد الأوروبي في إبقاء الحظر المفروض على الأسلحة ضد سوريا، والسماح بالتالي لكل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي بتسليح الثوار السوريين. والآن بعد قرار أوباما إرسال الأسلحة أيضا، فإن "خطه الأحمر" في سوريا، أي استخدام الأسلحة الكيماوية، يمكنه أن يوجد إرثا مدمرا في المنطقة بقدر الدمار الذي برهن عليه "الخط المرسوم في الرمال" لسايكس بيكو.