تلقي الاحتجاجات، التي تشارك فيها مجموعة من الناس بالغة التنوع، الضوء على المشهد السياسي المتبدل في تركيا. لكن حيزاً كبيراً من التغطية الإعلامية لتلك التظاهرات ينم عن تخلف فكري، كما أن تصريحات متسرعة عن "ربيع تركي" تبدو كأنها جاءت مباشرة من كتاب فلوبير "قاموس الأفكار الجاهزة"، حيث يجري تصوير الصراع الآن كمعركة بين العلمانيين والإسلاميين، وبين الاستبداد والديمقراطية.

ولا يهم إذا كانت العلمانية في تركيا قد فرضت بوحشية، وكثير من الممارسات الإسلامية قضى عليها أتاتورك بطريقة عنيفة، وأن مجتمعات كوزموبوليتانية من اليهود والكاثوليك اليونانيين الموجودين في إسطنبول منذ فترة طويلة تمت مطاردتهم في ذروة القومية العلمانية، أو أن الأكراد الأتراك المضطهدين من زمن طويل يشككون، عن حق، بإمكانية حصولهم على المزيد من الآذان الصاغية من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان.

والمعارضات الأيديولوجية المبسطة تحجب أيضا مفارقة مكشوفة بدرجة أكبر، وهي أن تسريع أردوغان في إضفاء المعالم الإسلامية بمساعدة الرأسماليين المقربين منه، جاء بموازاة جعل إسطنبول اكثر ملاءمة للسياح. وكانت حملة التجميل تلك تتطلب تدمير معالم مألوفة مثل حديقة جيزي. ومع ذلك، لا يجب نسيان أن أتاتورك محبوب الأوتوقراطيين المحدثين ترأس حملة ثقافية مستعرة اكثر شمولا مما يمكن أن يحلم به أردوغان.

والمستعدون لرؤية التخريب الثقافي لأردوغان كسقوط من العصر الذهبي، أو كدليل على كوامن "طالبانية" لديه، يتعين عليهم تذكر تاريخ تركيا الطويل كبلاد فيها الكثير من العلمانيين الأثرياء والأقوياء، لكن من دون ديمقراطية أو حقوق إنسان. ومثل اليابان في عصر الإمبراطور ميجي، فإن تركيا الكمالية أرادت تحقيق الحضارة والتنوير وفقا للشروط التي وضعها الغرب، ولم تتمكن إلا من انتهاك قيمهما.

وكما كتب الكاتب التركي الشهير أورهان باموق في عام 1997: "إن الحظر المفروض على الانتقاد من قبل المفكرين الموالين للغرب في الوقت الذي كانت البلاد تسير في درب التغريب، والازدراء بالثقافة التقليدية أثناء محاولة غرس هوية تركية قومية جديدة، هي أمثلة صارخة عن المواقف السياسية والثقافية المتناقضة والملتبسة التي ابتليت بها جهود تركيا نحو التحديث".

هذه التناقضات والالتباسات أصبحت اكثر وضوحا الآن فيما مسار التحديث من أعلى إلى أسفل يعطي ببطء الأولوية لإرساء الديمقراطية من اسفل إلى أعلى. وفي الواقع، قبل فترة من بدء قلة من المدافعين عن البيئة دفاعهم عن حديقة جيزي، كانت الأقلية الكردية التي غالبا ما تتظاهر في ساحة تقسيم، قد انعشت الآمال بشأن بعض الأسئلة المطروحة منذ مدة طويلة حول المواطنة في تركيا.

قد يبدو مواطنو جمهورية علمانية متساوين في الإطار المجرد. لكن أيا كان مؤسس قواعد المواطنة، فإنه يقوم أيضا بإنشاء تراتبية غير مرئية، ترسخ قوة المجموعات المهيمنة في تلك اللحظة. وهذا الأمر يبدو أكثر وضوحا في تركيا، حيث إن الجمهورية شرع بها مرسوم ديكتاتوري.

منذ الانتقال إلى الحكومة النيابية، شهدت تركيا حالة من إذابة الجليد عن الحقائق الكمالية. فجماهير الأناضول الورعة، التي احتقرها أتاتورك ومن جاء بعده من العلمانيين المتشددين، أصبحت اكثر حزما على المستوى السياسي، ولقد خففت قبضة النخب العلمانية الحضرية الخانقة على البيروقراطية والأعمال التجارية الكبرى.

وكان حزب العدالة والتنمية تحت قيادة أردوغان المستفيد الأول من هذه الصحوة السياسية وثوران المشاريع. ولقد استخدم الحزب حصوله على أغلبية كبيرة في الانتخابات ورأسماله السياسي لإجبار الجيش والكماليين على اتخاذ موقف دفاعي، وترأس أيضا فترة من النمو الاقتصادي السريع. ونجاح الحزب إلى جانب إخفاق أردوغان الواضح في التخلص من تقاليد الحكم الاستبدادي في تركيا، أديا إلى نشوء منافسين جدد.

وتركيا ليست وحدها في المعاناة من الصراعات التي أطلقتها توأمة تفكك الهرمية القديمة وبزوغ الأحزاب السياسية الجماهيرية. وقتال الشوارع من بانكوك إلى سريناغار إلى هونغ كونغ، كلها معارك حول الهوية السياسية والحقوق والانتماء.

ووجود الهوية الدينية أو غيابها لا يجب أن يعمل على التشويش. فأردوغان ممارس بارع في سياسة الاستياء وداع لحكم الأكثرية والرأسمالية الاستبدادية. ويواجه صراعا أكبر أمامه. فالأفكار القديمة بشأن المواطنة في تركيا بقدر ما في تايلاند والهند وإندونيسيا لم تعد قادرة على التوفيق بين الاختلافات في الطبقة والدين والعرق، وبشكل متزايد في المداخيل.

 

فك عزلة

اتخذ حزب العدالة والتنمية في تركيا الخطوة الرئيسية الأولى نحو إعادة النظر في العقد الاجتماعي. لكن الانفجارات الأخيرة للسخط السياسي تظهر أن الحزب لم يعد يسيطر بشكل حصري على هذه العملية. وغرائز رئيس الوزراء أردوغان الغوغائية سوف تستثير الآن الأقليات الصامتة نحو المعارضة الصاخبة مما سيحدث قلاقل في داخل حزبه.

وتعليقا على عزلة تركيا المطولة، يعقد الكاتب التركي الشهير أورهان باموق على ذلك توقعات قاتمة فيقول: «لأن الناس فقدوا ذاكرتهم وعلاقاتهم الثقافية مع جيرانهم، فان البلاد بأسرها اكتسبت فجاجة، وعدم مرونة وإهمالاً كما يحدث في العادة مع الذين يعيشون منعزلين وحدهم». وأردوغان وخصومه القوميون الجدد يجسدون الكثير من تلك الميول، ومن نواح كثيرة، فإن الاحتجاجات الأخيرة قد حطمت بحقد عزلة تركيا التي دامت ما يقرب من قرن.