مصير الحكومات هو أن تؤخذ على حين غرة. إذ أنك تخطط وتهيئ وتستشير. فيما يغفو كلب الرأي العام على السجادة، شبعاناً وراضياً. ولكن بعد ذلك، وبدون سابق إنذار، يستيقظ الكلب الجاحد ويعضك من الخلف.

هذا ما حدث لي عندما كنت وزيراً للخارجية البريطانية. فغالباً ما كانت مزايا المقترح الذي تجري مناقشته تغمر بموجة من الشعور بأن حكومة توني بلير، مع أغلبيتها الهائلة، وفي ظل مواجهتها لمعارضة ميؤوس منها، تحتاج لأن تلقن درساً.

وخطر ذلك ببالي فيما كنت أصغي، أخيراً، إلى رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وهو يتحدث في مؤتمر في اسطنبول حول علاقات تركيا المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي. كان الجو نفسه خيالياً. حيث جلسنا في أحد الفنادق الفاخرة لمناقشة المشروع الأوروبي، بينما كانت أوروبا (والعالم بأكمله) يراقبان أحداثاً تبعد أقل من ميل عنا، في ساحة «تقسيم» وحديقة «غيزي».

وفي خطابه، تطرق أردوغان بالفعل إلى طموحات تركيا في ما يخص الاتحاد الأوروبي. ولكن التركيز الرئيسي كان، حتماً، على الاحتجاجات، التي لم يُر نظير بحجمها وكثافتها في الذاكرة الحية، والتي خرجت عن السيطرة إلى ما وراء سببها الأولي، وهو تطوير الساحة والحديقة. وكان أردوغان عاطفياً، غاضباً أحياناً، وفصيحاً دائماً. ولكن أكثر ما ميز خطابه هو استغرابه، القريب من الاندهاش، من أن مثل هذه الانتقادات واسعة النطاق نشأت، من العدم في ما يبدو، لتتحدى التزامه بتخضير مسقط رأسه، اسطنبول، وقدرته على الحكم باسم جميع الأتراك، وليس فقط باسم الـ50 % منهم الذين انتخبوه.

وكان رد الشرطة التركية الوحشي على المحتجين في بداية الاحتجاجات رهيباً، وهو ما أقر به أولاً الرئيس التركي عبدالله غول، ومن ثم أردوغان. ولدى تركيا العديد من الإصلاحات التي يتعين إجراؤها، لتعزيز حقوق الأقليات وحرية الإعلام. ولكن كما قال لي مؤيد بارز لحزب الشعب الجمهوري، وهو حزب المعارضة الرئيسي (والعلماني) في تركيا، فإن المفارقة الكبرى بشأن الأسابيع القليلة الماضية هي أن أي محاولات للاحتجاج الجماهيري في ظل الأنظمة السابقة «كانت تسحق قبل أن تبدأ».

إن احتضان حزب العدالة والتنمية لعضوية الاتحاد الأوروبي هو الذي رفع إلى حد كبير التوقعات الديمقراطية في تركيا. وإليكم المفارقة الثانية، تلك الإصلاحات كان يمكن أن تقطع شوطاً أطول بكثير لو لم تعرقل كل من فرنسا وألمانيا وقبرص اليونانية، عمداً، تقدم خطط انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي لأكثر من ثلاث سنوات. وبلا شك، فقد كان الحكم على تركيا أكثر قسوة بكثير من الحكم على رومانيا والمجر، على سبيل المثال، حيث أدرك الاتحاد الأوروبي أنه كلما انضمت هاتان الدولتان إليه بصورة أسرع، كان التغيير للأفضل أكبر.

وأخيراً، فقد تكون المفاوضات الآن، في ظل المفوض الأوروبي ستيفان فول، أكثر إيجابية. ولا بد لها أن تكون كذلك. إذ لن يدوم صبر الشعب التركي (وليس فقط حزب العدالة والتنمية) إلى الأبد في مواجهة الإذلال من جانب بروكسل. وبقية أوروبا هي التي ستعاني، أكثر مما ستعاني تركيا، إذا ما استمرت في حرمان هذه الدولة الأوروبية والإسلامية المهمة من الجلوس إلى طاولتنا.

 

دفاعات أردوغان

يقول رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إنه أجرى مشاورات بشأن خطط ساحة "تقسيم"، المصممة لنقل حركة المرور إلى نفق تحت الأرض حتى يتسنى لعدد أكبر من الناس الاستمتاع بالمنطقة، في حين أن خطط الحديقة كشف عنها قبل الانتخابات، ولم يعترض عليها أحد. أما بالنسبة للأشجار في المدينة، فيفيد أردوغان أنه زرعها حين كان رئيساً لبلدية اسطنبول، وأن خصومه هم الذين اقتلعوها.