يرسل تعيين سوزان رايس مستشارة للأمن القومي إشارة هامة بشأن طبيعة السياسة الخارجية التي يريد الرئيس الأميركي باراك أوباما اعتمادها للمدة المتبقية من فترته الرئاسية الثانية: سياسة ناشطة وحازمة وأحيانا شرسة. لم يتبق لأوباما سوى ثلاث سنوات ليشكل لنفسه إرثا في الشؤون العالمية، ولذا فإنه يريد أن يلعب في خط الهجوم.
على امتداد جزء كبير من فترته الرئاسية الأولى، طغت على سياسة أوباما الخارجية مشكلات ورثها عن سلفه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش: إنهاء الحرب الأميركية في العراق، وإخماد الحرب الأميركية في أفغانستان، ومواصلة، أو بالأحرى تصعيد، حرب الطائرات الموجهة عن بعد ضد تنظيم القاعدة وحلفائه. وأضاف أوباما بعضا من مبادراته الخاصة، غير أنها لم تتكلل جميعها بالنجاح. حيث قام بمحاولة غير مدروسة لاستئناف محادثات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، ولكن محاولته باءت بالفشل. وسعى كذلك إلى "إعادة ضبط" العلاقات مع روسيا تحت رئاسة فلاديمير بوتين، إلا أن سعيه لم يدم طويلا.
لذا فإنه عندما رشح نفسه للرئاسة مجددا، لم يكن لديه الكثير ليفخر به، عدا قتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن والانسحاب من العراق. وفي حين أن ذلك كان كافيا ليساعده في الفوز بفترة رئاسية ثانية، فإنه لم يكن الرثاء الذي يود أن يكتب عنه في كتب التاريخ.
وكان فريق السياسة الخارجية الخاص بأوباما خلال فترته الرئاسية الأولى مصمما جزئيا ليكون دفاعيا. لا شك أن رئيس الجيل الجديد هذا هاجم مؤسسة السياسة الخارجية التي أدخلت أميركا إلى العراق. ولكنه بمجرد توليه الرئاسة، لم يبحث عن مفكرين من ذوي البصيرة. وعين، بدلا من ذلك، شخصيات مطمئنة من المؤسسة نفسها، مثل وزيرة الخارجية الاميركية السابقة هيلاري كلينتون ووزير الدفاع السابق روبرت غيتس.
وكان مستشاره للأمن القومي، توماس دونيلون، غير مرئي تقريبا، ولكنه أنجح عملية السياسة الخارجية. ولفترته الرئاسية الثانية، لم يعد أوباما بحاجة إلى "فريق خصوم" خرافي يوازن قلة خبرته. وعوضا عن ذلك، فقد عين الرئيس الأميركي أناسا طالما كانوا مقربين منه: زميليه السابقين في مجلس الشيوخ جون كيري وتشاك هاغل، وأحد مستشاريه خلال حملته الأولى، سوزان رايس.
تشبه رايس أوباما في نظرتها العالمية إلى حد كبير. إذ أنها تؤمن باستخدام القوة الأميركية، ولكن بالتعاون مع دول أخرى. وتتحمس بشكل خاص إزاء التدخل لوقف الكوارث الإنسانية، وحماسها هذا ناتج عن تجربتها في مجلس الأمن القومي في عام 1994، عندما فشلت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في منع المذبحة التي راح ضحيتها مئات الألوف في رواندا. وتقول رايس: "لقد أقسمت لنفسي أنني إذا واجهت أزمة مماثلة مجددا، فإنني سأدعم اتخاذ خطى جذرية بكل ما أوتيت من قوة."
ولا يعني ذلك أن رايس تؤيد الآن التدخل العسكري الأميركي في سوريا، وهي الفكرة التي يرفضها أوباما. ويقول مسؤولون إن أوباما ورايس كليهما يقيمان السؤال العملي ذاته الذي واجهاه في ليبيا قبل عامين: أسيسفر العمل العسكري بوضوح عن نتيجة إيجابية؟ والجواب، حتى الآن، هو لا.
ولكنه يعني أن أوباما يرتاح للجدالات المحتدمة بما يكفي لوضع مؤيدة قوية للتدخل الإنساني على رأس فريق السياسة الخارجية الخاص به.
تمثل الفترة الرئاسية الثانية فرصة ثانية، واختيار أوباما لكبار مسؤولي السياسة الخارجية في إدارته يشير إلى أنه ينوي انتهاز هذه الفرصة.
قضايا عالقة
لا تزال أمام الرئيس الأميركي باراك أوباما قائمة طويلة من القضايا العالقة من فترته الرئاسية الأولى، بما في ذلك تحديد علاقة الولايات المتحدة المعقدة مع الصين، وسحب القوات الأميركية من أفغانستان، ودعم الديمقراطيات الجديدة الناتجة عن الربيع العربي، والحيلولة دون تحول الحرب الأهلية في سوريا إلى كارثة إقليمية.
