قبل بضعة أشهر، كان السيناريو الأسوأ في سوريا مأزقاً مطولاً مماثلاً للحرب الأهلية اللبنانية. والآن، يتمثل السيناريو الأسوأ في فوز الرئيس السوري بشار الأسد في ظل دعم كامل من جانب "حزب الله" والميليشيات العراقية الشيعية وروسيا. والسيناريوهات الأسوأ المستقبلية - التي تشمل الأسلحة الكيميائية السائبة، والحرب الطائفية الإقليمية، وسقوط الحكومات الصديقة - لا تتطلب قدرا كبيرا من الخيال.
وفي مرحلة من المراحل، لا تعود كلمة "أسوأ"، وهي بالفعل صيغة تفضيل، كافية. وتتطلب الدوامة السورية ابتكاراً نحوياً. أسوأ الأسوأ؟ أشد الأسوأ؟
والنتيجة هي كارثة إنسانية واسعة النطاق، مع مقتل أكثر من 80 ألف سوري وتشريد الملايين. ولكن السبب لا يتمثل في قدر غير كاف من الاهتمام الإنساني، وإنما يتمثل في فشل السياسة الواقعية - لعبة كبيرة يساء اللعب فيها على نحو مأساوي.
لقد أضحت سوريا حرباً عالمية بالوكالة، تعد الولايات المتحدة أقل أطرافها انخراطاً فيها. فروسيا وإيران وتركيا، جنباً إلى جنب مع "حزب الله"، و"القاعدة"، والآن "الإخوان المسلمون"، تساعد القوى التي يبدو أنها تخدم مصالحها. وفي المقابل، فقد اتسم دعم الولايات المتحدة للمعارضة المعتدلة التي بدأت الثورة السورية بالتردد والتأخر والمحدودية.
ولا يعني هذا أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لا تفعل شيئاً. فقد ازدادت المساعدات غير القاتلة بشكل كبير. وزادت الولايات المتحدة نشاطها في ضمان عدم ذهاب المساعدات العسكرية المقدمة من تركيا إلى الجماعات الثائرة الأكثر بغضاً، ومن المحتمل أن الولايات المتحدة نفسها (وفقاً لبعض التقارير) تقدم بعض المساعدات العسكرية السرية.
ولكن مد وزير الخارجية الأميركي جون كيري يده لروسيا لم يؤد إلا لتعقيد الوضع. والعودة إلى عملية جنيف تهمش الأشخاص الذين نريد مساعدتهم بالدرجة الأكبر. وبعد تسلمه دعماً غير كاف من جانب الولايات المتحدة وهزيمته على الأرض، يتلقى الجيش السوري الحر أوامر بأن يحسن التصرف ويتفاوض مع الأسد وحلفائه الروس، الذين يوفرون بنشاط الوسائل اللازمة لتدمير الثورة. وفي حال أذعن الجيش الحر، فإنه سيفقد مصداقيته. وحينها، سيختار مزيد من السوريين - الذين لا يرغبون عموماً في عودة الأسد - المحاربة تحت راية التطرف السوداء. وهذه حسبة متوقعة: فأن يكون المرء متطرفاً خير له من أن يكون تابعاً مذعناً.
ولكن يمكن للعكس أن يكون صحيحاً كذلك. ففي حال أمست المعارضة السورية المسؤولة فعالة بشكل أوضح لا يعوزها السلاح أو التدريب، وتسيطر على الأراضي والأجواء التي تعلوها، وتوفر الخدمات العامة، وتبني الشرعية فقد ينهي مزيد من السوريين "زواج المصلحة" الذي يربطهم بالمتطرفين، وقد تجد القومية السورية طريقة أكثر مسؤولية للتعبير عن نفسها.
ويقال على نحو متزايد إنه يتعين على الولايات المتحدة أن تصطاد أو تقطع الطعم في سوريا، مما يشير إلى أن قطع الطعم خيار مطروح. ومن شأن عدم الانخراط أن يغير السيناريو الأسوأ مجدداً: فيؤدي إلى تفشي التطرف عبر الحدود بدرجة أكبر، وتدفق اللاجئين السوريين بكثافة أكبر، واندلاع حرب طائفية غير قابلة للاحتواء على امتداد الشرق الأوسط.
الولايات المتحدة منخرطة في سوريا بالفعل، لأسباب لا مفر منها. ولكن ليس بما يكفي لتحويل دفة الأمور.
خيارات ومخاطر
المشكلة المرتبطة بالتدخل الخارجي في سوريا هي أنه سيحتاج الآن، في ظل تراجع فرص الجيش السوري الحر ومعنوياته، إلى أن يتسم بالحسم ليحدث فرقاً حقيقياً. وجميع الخيارات، بدءاً من توفير أسلحة متطورة مضادة للطائرات والدبابات، ووصولاً إلى تدمير الطائرات السورية على مدرجاتها وهدم البنية التحتية السورية من الأسلحة الكيماوية، محفوفة بالمخاطر.
