ما هو ذلك الشيء في الميادين العامة لا سيما تلك الميادين التي تبدأ بحرف التاء الذي يشد الناس للاحتجاج ضد الحكام المستبدين؟ الاحتجاجات الكبرى التي شهدتها الصين عام 1989 كانت في ميدان «تيانانمن». والاحتجاجات التي شهدتها مصر عام 2011 كانت في ميدان التحرير. وأخيراً، شهدت تركيا أياماً عدة من الاحتجاجات في ساحة تقسيم في اسطنبول.
غير أن الاحتجاجات التركية مختلفة تماماً. إذ إنها تتحدى حكومة منتخبة بطريقة شرعية يتزعمها رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان. والشرارة كانت مجرد احتجاج محدود ضد خطط لإزالة حديقة في اسطنبول. ومع ذلك، فقد أدى ذلك إلى انفجار تظاهرات سلمية على امتداد تركيا، يغذيها إلى حد كبير استياء شعبي ضد قمع أردوغان للمعارضة، منذ أن أعيد انتخاب حزبه قبل عامين.
لقد سجن عشرات الصحافيين في عهد أردوغان، غالباً دون أن توجه إليهم أي اتهامات.
وتعرضت جماعات المجتمع المدني للمضايقة. فيما تعرض محامو حقوق الإنسان للاعتقال أو السجن.
وعلاوة على ذلك، فإن رئيس الوزراء التركي الذي يرأس حزب العدالة والتنمية، ذي الجذور الإسلامية، يبدو وكأنه يناور ليغير الدستور بحيث يبقيه في السلطة، ربما حتى عام 2024.
وأصبحت ساحة تقسيم من الأماكن القليلة الآمنة لإطلاق صرخة جماعية من أجل الحرية.
انجراف مقلق
وكان انجراف تركيا نحو حكم الفرد مقلقاً إلى درجة أن الاحتجاجات لم تتطلب زعيماً. وكان موقع «تويتر»أداة التنظيم الرئيسية. ودفع هذا أردوغان إلى انتقاد وسائط الاتصال الاجتماعي بوصفها بـ«اللعنة» على الرغم من أنه يغرد يومياً لأكثر من 2.5 مليون تابع.
وكان المحتجون ثابتي الجأش تماماً في مواجهة وحشية الشرطة التركية، ما كشف عن عمق عزمهم على إصلاح ديمقراطية آخذة في التراجع. وكما هي الحال غالباً، فإن القادة المنتخبين أمثال أردوغان يفترضون خطأ أن الانتخابات تكفي لأن يحكموا من دون حكم مشترك. فلا يشاورون المعارضين، ولا يحترمون حقوق الأقليات كافة، ولا يبنون توافقاً في الآراء، ولا يعملون بطريقة شفافة.
ومع ذلك، فإن حكم الأغلبية يحتاج إلى الضوابط والتوازنات المتمثلة في الصحافة الحرة، والقضاء المستقل، والنشاط الشعبي غير المقيد، إلى جانب آليات التصحيح الأخرى. وفي ظل ديمقراطية تمثيلية ودستور ضامن للحقوق، تقع السيادة على عاتق الفرد، وليس الدولة. والضمانات ضرورية لكبح جماح سلطة الدولة.
مطالبة بالتصحيح
لم تعثر تركيا على أساسها الديمقراطي سوى في العقدين الماضيين، بعد سنوات من التدخل العسكري والانقلابات. وهذه الاحتجاجات تعكس قلقاً حقيقياً بشأن فقدان منافذ المعارضة. فهي لم تكن موجهة حقيقة لانتقاد أفضل إنجازات أردوغان - إعادة الجيش إلى الثكنات، وإنشاء اقتصاد سليم، ومحاولة إنهاء الاقتتال الكردي. وبدلاً من ذلك، فإنه ينبغي النظر إليها على أنها مطالبة بالتصحيح. إذ إن نصف الناخبين الأتراك، في نهاية المطاف، لم يدعموا حزب أردوغان.
وكانت الاحتجاجات أيضاً مقاومة لمحاولة أردوغان لفرض ممارسات متشددة على المجتمع بأكمله. وبصرف النظر عما قد تنطوي عليه القيود المتشددة من حسن نية، فإنها تسيء إلى الأتراك العلمانيين، وتمثل غطرسة التشدد في مجتمع يقيم التسامح والاحترام والحرية باعتبارها أحجار زاوية للديمقراطية.
إلا أن الفجوة العلمانية-الدينية في تركيا ذات الأغلبية المسلمة تقل أهمية عن الجدل حول المحافظة على قدر مناسب من التقييد والتعقل في الحكومة المنتخبة. وكان العديد من المتظاهرين في تركيا من الشباب الذين، شأن نظرائهم من متظاهري الربيع العربي، لديهم من الشجاعة والمثالية ما يجعلهم يصرون على أن يسمعوا.
«الديمقراطية لا تعني الانتخابات وحدها»، كما قال الرئيس التركي عبدالله غول في خطاب متلفز ساعده على النأي بنفسه عن رئيس وزرائه.
وأضاف غول: «إذا كانت هناك وجهات نظر وأحداث واعتراضات مختلفة خارج الانتخابات، فليس هناك ما هو أكثر طبيعية من أن يتم التعبير عنها بطرق مختلفة. وبطبيعة الحال، فإن التظاهرات السلمية هي جزء من ذلك». وكان بإمكانه أن يضيف أن الميادين العامة تمثل أماكن طبيعية لإيصال صوت المعارضة.
إصلاحات لم تكتمل
أجرت حكومة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان العديد من الإصلاحات الديمقراطية. حيث أعطى أردوغان المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان السيادة على المحاكم التركية، وخفف من صلاحيات قانون مكافحة الإرهاب لعام 1991، وألغى بعض القيود المفروضة على حرية التعبير والصحافة.
وقد خططت الحكومة التركية، مرات عدة، لإلغاء الدستور التركي لعام 1982 ووضع «دستور مدني» أكثر ديمقراطية مكانه، إلا أن حزبي المعارضة الرئيسيين «الشعب الجمهوري» و«الحركة القومية» لم يرغبا في المشاركة إلى أن خسرا الاستفتاء في عام 2010.
وفي نهاية المطاف، أعطى حزب «الشعب الجمهوري» موافقته، وشكل حزب «العدالة والتنمية» اللجنة الدستورية المكونة من جميع الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان التركي.
