مع اقتراب العراق من حرب أهلية طائفية شاملة بسبب أخفاقات حكومة نوري المالكي في معالجة الأزمات، يبدي نجم الدين كريم، محافظ كركوك، إحدى أكثر المحافظات عنفا في البلاد، تشاؤمه بشأن قدرة الحكومة المركزية في بغداد على منع تفاقم التوترات.

حيث يقول: «تعاني هذه الحكومة المركزية من العجز. وهي تحب أن تعيش الأزمة تلو الأخرى، دون معالجة أي منها. إنكم بحاجة إلى محلل نفسي ليخبركم بما يجري حقا».

فض الجيش العراقي، أخيرا، مظاهرة سلمية في الحويجة، غربي كركوك، مسفرا عن مقتل 44 شخصا على الاقل. ويقول كريم إن الجيش العراقي «في موقف خطير لأن الناس في المنطقة لا يريدونه هنا حقيقة».

لا تزال كركوك تعد مكانا عنيفا حتى بالمقاييس العراقية، مع كثرة السيارات المفخخة والتفجيرات الانتحارية. وسوء العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد يعني تعاونا أمنيا أقل مع قوات الجيش والأمن العراقية، مما أدى إلى زيادة بنسبة 30% في الهجمات الإرهابية.

وقد تكون كركوك مدينة خطرة، ولكنها تعج، على نحو مستغرب، بمواقع البناء الصاخبة، على الرغم من أنها بدت، لسنوات بعد أن سيطر عليها الأكراد في عام 2003، مهملة وفقيرة.

ومنذ أن أصبح كريم محافظا في عام 2011، بدأت عجلة الاقتصاد المحلي هناك في الدوران. فارتفعت أجور عمال البناء مما يعادل 10 دولارات إلى 30 دولارا في اليوم. وخلافا للوضع السائد في بقية مناطق العراق خارج المنطقة الكردية، فإن الناس في كركوك يحظون بإمداد شبه مستمر بالكهرباء.

وتعتبر التنمية الناجحة في كركوك، مقارنة بالمعايير المتواضعة في معظم بقية العراق، أمرا هاما لأنها تظهر أن العنف يمثل عذرا للبؤس الاقتصادي العراقي بقدر ما يمثل سببا له.

ومما يصب في صالح كريم أنه جزء من قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني، وهو الحزب الكردي المهيمن في كركوك، والأكراد هم الأغلبية في مجلس المحافظة. وهو يقول: «إن لم يكن لديك دعم سياسي أو انتماءات سياسية قوية على الأقل، في هذا اليوم وهذا العصر في العراق، فإن ذلك يجعل مهمتك أصعب قليلا».

منذ مجزرة الحويجة، راحت السياسة في محافظة كركوك، التي يبلغ عدد سكانها 1.35 مليون نسمة، منهم 900 ألف يعيشون في المدينة، تتغير شيئا فشيئا

. فقبلها، كان السنة العرب الذين يعيشون في هذا الجزء من العراق، المتنازع عليه منذ فترة طويلة بين العرب والأكراد، من بين آخر الطوائف الداعمة لحكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، الخاضعة لهيمنة الشيعة. ولكن القتل الجماعي للمحتجين والتهديد بمزيد من القمع نفرا القبائل السنية القوية، مثل قبيلة العـُبيد.

تشكل الانتفاضة السنية المتصاعدة وموجات انعدام الاستقرار المنتشرة من بغداد أنباء سيئة بالنسبة لكركوك. ويقول كريم إنه لا يعتقد ان التصريحات التصالحية الصادرة عن بغداد تعني الكثير. ويذكر أن آخر مرة جاء فيها المالكي إلى كركوك، في مايو من العام الماضي، كانت مقدمة لعلاقات أسوأ بكثير.

العداء بين بغداد وكركوك بات أعمق من أي وقت مضى. وبعد مجزرة الحويجة، تحركت قوات البيشمركة إلى مواقع حول كركوك أخليت من قبل الجيش العراقي، ولكنها لم تدخل المدينة نفسها. وندد قادة الجيش العراقي بهذه الخطوة باعتبارها محاولة انتهازية قام بها الأكراد ليشددوا قبضتهم على حقول النفط، وهو ما نفاه كريم بشدة.

وعلى أية حال، فإن ثقة كريم في قدرة قوات الأمن العراقية على توفير الأمن محدودة. وهو يقول: «لا يمكنك السيطرة على الأمن باستخدام جيش غير مدرب. فالجيش العراقي ليس مدربا على أي شيء، وأمسى مكانا للتوظيف بالنسبة لمئات الألوف ممن ليست لديهم وظيفة، وهذا هو السبب في أننا رأينا العديد من الفارين في الأيام القليلة الماضية.»

قد تكون الحياة آخذة في التحسن في كركوك، ولكن ما زال من الممكن أن يجرها إخفاق الحكومة في سائر العراق إلى أسفل.

 

 

هدوء وثقة

 

منذ عامين، شغل نجم الدين كريم، الذي يبلغ من العمر 63 عاما ويتسم بالهدوء والثقة، منصب محافظ كركوك، وهي المحافظة النفطية الشمالية، التي يتنازع السيطرة عليها كل من الأكراد والسنة والقوات الحكومية. وتأهل كريم، وهو كردي من مواليد مدينة كركوك، لمزاولة مهنة الطب قبل أن يصبح عنصرا في البيشمركة في عام 1973.

وحين لحقت الهزيمة بالقضية الكردية بعد عامين، ذهب كريم إلى الولايات المتحدة بصفته طبيب الملا مصطفى، الزعيم الكردي المريض، وأصبح جراح أعصاب ناجحا، يمارس مهنته في ضواحي واشنطن، حيث عاش لمدة 35 عاما.

في مكتبه الخاضع لحراسة مشددة، يبدو كريم كما لو أنه يستمتع بالتحدي الذي تطرحه المشكلات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تواجهها كركوك، ولكنه يبدو خائفا من تأثير الأزمة المتصاعدة في البلاد ككل.