ستكون روسيا الرابح الأكبر في الحرب في سوريا، بل يمكن القول أن هذه الحرب ستكون الاختبار الأكبر لها كلاعب على الساحة الدولية منذ نهاية الحرب الباردة.
واللقاء الذي جمع وزير الخارجية الأميركي جون كيري بنظيره الروسي سيرجي لافروف في باريس أخيرا، طرح مجموعة من القضايا التي من المحتمل مناقشتها، مما يعني تأجيل أي عمل جدي لفكرة إنهاء الصراع قبل أن يقوم كل الإسلاميين المعنيين بإبادة بعضهم بعضا، وليس لأن أميركا تمانع في حصول ذلك.
الدور المتوقع
وكيري ملأ قاعة الاجتماع الثنائي بالكلام المبالغ به والفارغ من المضمون، الأمر الذي يناسب بالتحديد المصالح الأميركية، لأن حلا فعليا للوضع السوري لا يجلب لأميركا أي فائدة مضافة، ويتعين على لافروف أن يعي أن العبء هذه المرة ليس على أميركا، بل على روسيا.
وتعتمد النتائج في سوريا بمجملها بدءا من الاستقرار الإقليمي وصولا إلى قضايا حقوق الإنسان، بشكل كبير على استعداد روسيا لتولي القيادة.
لا شك في أن هذه وجهة نظر غريبة، حيث انه أينما تندلع الحروب الأهلية على أنواعها في أي مكان بالعالم، يتوقع دوما من "كابتن أميركا" الانقضاض وإنقاذ المحليين، فمن راوندا إلى سوريا، كلما امتنعت أميركا عن التدخل عسكريا، أخذ عليها عدم اهتمامها.
ثم، عندما تتدخل، تتهم فوراً بأن لديها دوافع خفية وتكال لها الانتقادات. والتدخل نفسه يدفع به لتبرير أي تحركات رهيبة محلية في المستقبل، بصرخات تدعو "لعواقب وخيمة"، حتى على مجرد صلة ضعيفة بالتدخل الأميركي.
والآن حان دور روسيا لأخذ زمام المبادرة، لاسيما وأن روسيا ترغب في إنهاء الصراع لمجموعة أسباب، بدءا من الإحباطات المتعلقة بتجارة السلاح في المنطقة وصولا إلى تدفق المتشددين وغير الخاضعين للمساءلة إلى باحتها الخلفية في القوقاز.
لسنوات، تعرضنا لسيل من الشكاوى حول كيفية لوذ أميركا بالفرار في أفغانستان، بالخروج مسرعين تاركين المكان بالكامل لطالبان بعد تسليح المتشددين لقتال السوفييت خلال حقبة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، ثم حصل هجوم الحادي عشر من سبتمبر.
ولطالما كررت على مسامع أميركا هذه القصة. والانتقادات بشأن عدم البقاء في المكان لإزالة الفوضى منطقية إلى حد ما، لكن حسنا، حان الوقت الآن لروسيا لكي تظهر لأميركا كيف يجري ذلك، إذا كانت على مستوى المهمة.
وبقدر ما تبدو الحرب الأهلية السورية حرب الجميع في وسائل الإعلام الغربية، فإنها في الواقع ليست حرب أميركا، على الأقل ليس بمعنى أن حلها يمثل أي مكسب جيو سياسي مهم لها.
فهي بالتأكيد لا تتعلق بسياسة الطاقة الأميركية، بعد أن باتت أميركا اقل اعتمادا على الإمدادات الخارجية، وحليف أميركا الإقليمي الرئيسي، إسرائيل، أكثر من مجهز للعناية بنفسه بشكل مناسب ولاحتواء الفوضى.
قيادة روسيا
والحرب بالتأكيد ليست مشكلة المجموعات الإسلامية المتنوعة من هنا وهناك، التي تقاتل في الأساس لصالح أي طرف يقدم لها سلاحا. وهي ليست حرب سوريا أيضا، حيث أن لا أحد بالتحديد يحب الرجل الموجود في سدة السلطة، وهو يعتمد بالكامل على الأسلحة الروسية للبقاء على قيد الحياة.
إذا كان للشعب السوري من حليف في هذا الصراع على مستقبله، فإنه قبول روسيا بدور القيادة أو رفضها.
وروسيا كانت منذ مدة طويلة تعزز علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع العالم الإسلامي، مستفيدة من حالة الفراغ التي خلفتها الدول الغربية طواعية.
وكل المتحاربين الإسلاميين في سوريا لديهم صلات روسية، والصراع هو مباشرة في المجال الروسي. ومن المفترض أن روسيا بإمكانها التواصل مع الإسلاميين.
كنا نظن أن أولئك الشباب تحت سيطرتك، يا روسيا! هذه فرصتك لكي تظهري لأميركا كيف يجري إنقاذ العالم والدفاع عن حقوق الإنسان.
وروسيا لا ينبغي أن تدعو وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى القيام بأي شيء، بل أن تسير بدلا من ذلك إلى المباحثات وبيدها التزامات من اللاعبين الآخرين، من أجل أن تتفاوض بالنيابة عنهم. وهذا هو الدور التي وضعت روسيا نفسها فيه منذ مدة طويلة، وهو دور الوسيط المقبول والعقلاني بين الإسلام والغرب، أليس كذلك؟. حسنا حان وقت العرض.
مساهمات مميزة
راشيل مارسدن الكندية المولودة في عام 1974 هي كاتبة عمود سياسي ومعدة ومعلقة تلفزيونية تقيم في باريس، حائزة على الجائزة الأكاديمية "غوفرنر جنرال". وهي تكتب عمودا أسبوعيا على موقع "تريبيون ميديا سيرفيسز"، وتدرس أيضا في جامعة العلوم السياسية في باريس.
في العقد الماضي، كانت كاتبة عمود في صحف كثيرة منها "واشنطن بوست" و "ناشونال بوست" و"تورنتو صن" و"نيويورك بوست". وظهرت كمضيفة ومساهمة في محطتي التلفزيون "فوكس نيوز" و"سي إن إن"، وتقوم حاليا بإدارة الموقع الإلكتروني "غراند سنترال بوليتكال".
وتنشر تعليقاتها السياسية الأسبوعية في النسخ الإلكترونية لـ "ديلي تلغراف" وغيرها، كما نشرت في "وول ستريت جورنال" و"نيويورك ديلي نيوز" و"سبكتايتور".
في نوفمبر 2011 أصدرت كتابا بعنوان "قنبلة أميركية: حكاية الغزو المحلي والدولي".
