أتذكرون عندما كان الرئيس الأميركي باراك أوباما يطالب نظيره السوري بشار الأسد بوقف القتل الجماعي والتنحي؟ في ذلك الوقت، كانت دكتاتورية الرئيس الليبي السابق معمر القذافي قد انهارت لتوها تحت القصف الغربي.
وكان قتل الأميركيين في بنغازي وما أعقبه من فوضى قبلية في ليبيا لا يزالان في رحم المستقبل. وفي تلك الأيام العنيفة من عام 2011، تمثلت الموضة في «القيادة من الخلف»، و«الربيع العربي المزدهر»، علاوة على مستخدمي وسائط الاتصال الاجتماعية المنادين بالديمقراطية في شوارع القاهرة.
وزعم أوباما أن جماعة «الإخوان المسلمين» كانت «علمانية» إلى حد كبير. وأكد الدكتور محمد مرسي الذي كان قد تلقى تعليمه في أميركا، أن حركته لم تكن مهتمة بإدارة مصر.
والآن، يحل شتاء عربي محبط من الفوضى والاستبداد المتنامي. حيث تعيش مصر حالة من الفوضى، في ظل اقتصاد محطم. ولا أحد يعرف حتى الآن ما حدث بالضبط في بنغازي. وأكثر من أي وقت مضى، يتمسك الأسد العنيد بالسلطة. وهو يحسب أن قتل 70 ألفاً من أبناء شعبه أفضل بكثير من أن يلقى مصير غيره من الطغاة العرب المخلوعين، مثل القذافي أو الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين أو الرئيس المصري السابق حسني مبارك.
والنتيجة هي أن تهديدات أوباما الماضية بشأن الاستخدام السوري لأسلحة الدمار الشامل أصبحت دولية وفي سياقها الآن. ولكننا نريد من الأمم المتحدة، أو الدول المتحالفة معنا، أو ربما الجامعة العربية أن تؤكد أولاً استخدام الأسد أسلحة دمار شامل. وحينها يمكننا أن ننظم، في وقت ما مستقبلاً، تحالفاً لمعالجة هذه المشكلة.
مأزق
يجد الرئيس الأميركي نفسه في مأزق رهيب في ما يتعلق بسوريا، وهو مأزق من صنعه جزئياً، ويرجع جزئياً أيضاً إلى طبيعة «الخسارة على أية حال» التي تميز الشرق الأوسط. ويدرك أوباما بحق أن إزالة الطغاة العرب المترنحين وسط التمرد ليست بالأمر الصعب، بالنظر إلى القوة الجوية الأميركية الساحقة. إلا أنه يدرك أيضاً أن الفوضى القبلية والطائفية الطليقة الذي تتبع ذلك يمكن أن تضاهي في بشاعتها الدولة البوليسية الاستبدادية المنهارة.
والبديل الثالث، أي تعزيز ديمقراطية ما بعد الحرب، كما في العراق بحسب الاعتقاد الأميركي، يتطلب استثماراً متعدد السنوات في الدماء والأموال الأميركية، وهو استثمار من النوع الذي شجبه السيناتور السابق والمرشح الرئاسي أوباما بوصفه تهوراً. فهو يقدر كيف تسببت العراق في انهيار الفترة الثانية من رئاسة سلفه جورج بوش.
ومن دون متابعة ذات مصداقية لاستخدام القوة، أصبحت تحذيرات أوباما، التي كانت مدوية في وقت من الأوقات، قديمة، ولم تعد تسبب أي قدر من الردع. وحتى الحائز جائزة نوبل للسلام لا يسعه إلا أن يهدر مراراً بشأن «الخطوط الحمر» و«تغيير قواعد اللعبة».
ويراهن الأسد على أن خطر الرد الأميركي على تجاوزه لخط أسلحة الدمار الشامل يقل كثيراً عن خطر فقدانه لحكمه - وحياته.
وتنظر كوريا الشمالية إلى احتجاج أوباما الأخير على عدم تصرفها بمسؤولية بالطريقة نفسها التي ينظر بها معظم الأميركيين إلى وعوده السابقة بإغلاق معتقل «غوانتانامو» في غضون عام، أو بإلغاء بروتوكولات بوش وتشيني لمكافحة الإرهاب: مثالية معسولة ليس من الضرورة أن يعقبها تطبيق مزعج.
أما الصين، فتعتقد بشكل متزايد أن الرئيس الأميركي يهتم بتقليل رؤوسنا الحربية النووية القابلة للنشر أكثر من اهتمامه بتحذير جنرالات الجيش الأحمر العدواني من أن اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان محمية بقوة تحت المظلة النووية الأميركية.
وفي النهاية، لا يبقى لدينا سوى الأمل في التغيير. فربما ستعود كوريا الشمالية إلى رشدها وتحسن التصرف. وربما سيسقط الأسد في نهاية المطاف. وربما سيتبين أن الثوار السوريين ليسوا إلا ديمقراطيين مؤيدين للولايات المتحدة في نهاية المطاف. وفي الوقت ذاته، ربما لا.
وضع شائك
يعرف الرئيس الأميركي باراك أوباما، أكثر من أي شخص آخر، قواعد الانتهازية السياسية الحالية. ففي الوقت الراهن، يدعو الصقور الليبراليون إلى التدخل في سوريا لأسباب إنسانية. ويردد دعوتهم العديد من المحافظين الذين ينظرون إلى التدخل باعتباره وسيلة لإيذاء أعداء مثل حزب الله، ومساعدة أصدقاء مثل الإصلاحيين العرب وإسرائيل. ومع ذلك، فإن وضع الأميركيين على الأرض في سوريا، ليحاربوا نظام الأسد وتنظيم القاعدة معاً، مع ارتفاع كلفة الدم والمال في وقت شبه إعسار وطني، سوف يحول متحمسي الأمس إلى منتقدي اليوم.
ولا بد أن أوباما يتذكر الخطب التي ألقاها كل من هيلاري كلينتون وجون كيري وهاري ريد عام 2002، مجيزين الحرب على العراق. وبالتالي فإنه يذكر أيضاً أن كل ذلك الحماس التدخلي سرعان ما تحول من «فوزي الرائع على صدام خلال ثلاثة أسابيع» إلى «احتلالك الفاشل الذي استغرق سنوات».
